فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 545

الحكمة، انقلب هذا الأمر بالمعروف إلى منكر، وانقلب هذا القصاص الذي قال الله عز وجل فيه: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب}

فالقصاص حياة! لكن الحياة حينها -أي حين في الظرف الذي وقع فيه- تنقلب إلى موت وإلى فتنة عظيمة! هذا الأمر الأول.

والأمر الثاني: أنه قد اختلط فيها الكثير من الأمور، وتشعّب أمرها، فمن المشارك؟ ومن المناصر؟ ومن أيّد؟ ومن رفض؟

وتحقيق القاتل من غيره، وتحقيق المناوئ من المناصر، وتحقيق الموافق من غير الموافق شأنه عظيم في تلك الفتنة.

فرأى علي -رضي الله تعالى عنه- وهو المصيب، أنه لابد من تأجيل قضية القصاص، كما أرسل رسالة إلى معاوية، وطلب منه أن يدخل معه في البيعة وفي إمارة المسلمين، أن يدخل في البيعة وأن ينطوي تحت جماعة المسلمين التي بايعت عليًا -رضي الله تعالى عنه- وقال له: وبعد ذلك فَلنقُم بالقصاص من قتلة عثمان! -أي تعال لنتقوّى لنقُم بالقصاص وبإقامة حكم الله عز وجل-

هذان أمران منعا الخليفة الراشد علي -رضي الله تعالى عنه- من أن يقتص من قتلة عثمان.

لكن أولياء الدم رأوا في هذا تقصيرا، وأنه لا ينبغي للرجل أن يُبايَع حتى يقيم حكم الله، فنظروا إلى اختلاط جماعة علي بهؤلاء القتلة، فكيف يقبل؟

فأرادت عائشة -رضي الله تعالى عنها- ومعها كبار الصحابة، ليس معها شذاذُ الآفاق.

انظروا، الذي خرج مع عائشة -رضي الله تعالى عنها- خيار الخيار، وأصفى الخيار

ومع علي -رضي الله تعالى عنه- الخيار، معه خيارٌ عظام، ومختلط مع هؤلاء الخيار أوباشٌ ثوارٌ سفلة قتلة، البارح فرغوا من قتل خليفة المسلمين!

هذا أمرٌ يفتل العقل، ويضيّع الصواب، ويُدخل في إعطاء حكم ما ليس منه!

لو نظرتَ إلى جماعة كلهم على أهل صلاحٍ ودين، والآخرون اختلط فيهم خيرٌ وشر!

ولكن من الذي معه الحق في القضية التي تم فيها الخلاف بين الطائفتين؟

ثانيًا: من الذين في الطرف الآخر من علي؟ إنما هي عائشة -رضي الله عنها- تلك المرأة العظيمة، وعائشة تلك التي مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يجلّها، بل مات وقُبض - صلى الله عليه وسلم - وهو على نحرها، وترنّ في آذانهم قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل: (من أحب الناس إليك؟) قال: (عائشة) قيل له: (ليس عن أهلك نسألك) قال: (فأبوها)

فهي حبيبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، تلك المرأة الفقيهة العالمة المحيطة بالكثير من شؤون الدين.

وإن كان قد ضعّف بعض أهل العلم هذا الحديث وحسّنه البعض الآخر، قوله - صلى الله عليه وسلم: (خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء) -أي عن عائشة رضي الله عنها-

والشطر الذي يؤخذ منها ما يختص بأمور النساء، وكَذا ما اختصت به من الأخذ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

أليس في هذا من الفتنة؟

وهو -أي في هذا الأمر- وهو تفضيل عائشة -رضي الله تعالى عنها- في هذا الباب، تفضيلها أجنبيٌ عن الأدلة في هذه المسألة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت