الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وفي هذا أيها الإخوة الأحبة، على أن أمر الفتن هي التي تحصحص الرجال، وتبيّن منازلهم، وفي هذا ينبغي على المرء أن يتعلم دين الله عز وجل وأن يفقهه، لا أن يقرأه قراءة المثقف، ولا أن يبصر به إبصارًا مجملا، بل لابد أن يكون عالمًا به، دقيقًا في فهمه له؛ لئلا تغرّه الشبهات، فالشُبه قاتلة وكثيرة والكل يحسنها، ولكن الوقوف مع كتاب الله ومع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وما وقع من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كل هذا أيها الإخوة الأحبة، يقوي في الواحد منا أن يعرف الصواب، أن يعرف الحق، وكما قال شيخ الإسلام -عليه رحمة الله-: ليس الفقه أن تعرف الخير من الشر.
لأن الواحد من الناس يعرف الخير من الشر، بل إن بعض الدواب لتميز بعض المنازل بين الخير والشر، بين السرقة وبين الهدية، هذه تميزها حتى الدواب! وهي تميز بين ما يضرها وما ينفعها من الأطعمة، فإن معرفة الخير من الشر على الجملة يعرفه أكثر الناس.
حتى الذين يكفرون بالخير، هم يعرفونه في قلوبهم كما قال سبحانه وتعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا}
وكما قال الله عز وجل: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} أي: يكذبونك ظاهرًا وأما قلوبهم فمستيقنة بمعرفة الصواب.
إذن ما هو الفقه؟
الفقه: هو معرفة خير الخيرين، أن تعرف خير الخيرين، وأن تعرف شر الشرين.
يكون كلاهما خير وأن تميز بين خير الخيرين، أو أن يكون كلاهما شر وأن تميز بين شر الشرين.
وبهذا يتميز الفقيه من غيره، وبهذا يتميز العلماء الربانيون عن غيرهم ممن لا يحطيون به.
وربما يكون العالم الرباني يده في يد الله عز وجل ومع ذلك يخطئ في هذا الباب، فهذه من الأدلة الأجنبية التي تختلط على أذهان كثير من الناس.
كما جاء رجل إلى علي -رضي الله تعالى عنه- وقال له: أتظن أني أتابعك وأترك طلحة والزبير؟
فماذا قال له علي؟ -هذه موازنة بين رجلين، طلحة والزبير رجلان مشهودٌ لهما بالجنة! وأما أنت فواحد-
فقال له علي -رضي الله تعالى عنه- في كلمة طويلة ثم قال له: لا يُعرف الحق بالرجال، إنما يُعرف الرجال بالحق.
أي الرجال لا يلتصقوا برجل إلا برسول - صلى الله عليه وسلم -، وأما اجتماع الحق مع الرجل فليس بلازمٍ لأحدٍ من الناس، وإن الرجل ليده بيد الله عز وجل ويقع في الفتنة!
وهذه أمنا عائشة! يقول عمّار:"إنّا لنعلم إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم بها؛ لينظر إياه تطيعون أم تطيعونها"