فهرس الكتاب
مقدم اللقاء: بعد أن بارك الله في أعمال المجاهدين ضد الطواغيت وكثر الناقدون لهذه الأعمال؛ فهناك سائل يسأل ويقول: هل لك أن تبين لنا -فضيلة الشيخ- متى يجوز الخروج على الحكام؟
فأجاب الشيخ أبو قتادة -حفظه الله-:
هذا كذلك من المسائل التي بسطها أئمتنا أئمة السلف قديما، وقد ضل فيها أقوام ما بين مُفرط ومفرّط. والمسألة تحتاج في الحقيقة إلى كتب أوسع وأشمل من التي كتبها القدماء مثل كتاب (الغياثي) [1] للمعالي الجويني، وكتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي. ينبغي أن نقرأ كلام الأئمة من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ومن التابعين من السلف الصالح، ونحاول أن نفهمها فهما صحيحا.
الخروج على الحاكم ليس ممنوعا بإطلاق وليس جائزا بإطلاق، الخروج على الحاكم ينبغي أن يحدد من نوع العلاقة وما نوع العقد بين الأمة وبين الحاكم. الآن يوجد من لا يتقي الله -عز وجل- ومن دخل في نصرة الطواغيت المبدلين لشريعة الله ويتعامل مع الحاكم تعاملًا مقدسا وأنه رجل مقدس، والناس في هذا العصر قد أدركوا ضلال هذه النظرة؛ فما كان يقوله شعراء المسلمين في حكامهم قديما من التعظيم وأنه لم يأخذ الإمامة إلا لسر فيه ولو أتت لغيره لزلزلت الأرض زلزالها، هذا كلام باطل. علماؤنا وسلفنا تحدثوا وعلمونا أن الحاكم هو أجير من قبل الأمة (مستأجر) ، والحاكم أجير ليس لسر فيه، لم يأخذ الإمامة لأن الله -سبحانه وتعالى- اختاره من بين بقية البشر لسر فيه بل قد يكون الحاكم من أكفر خلق الله ومن أعدى خلق الله سبحانه وتعالى؛ ولكن لأخذه بالطرق السننية في الوصول إلى الحكم، أو بسبب استخفافه لشعبه ولأمته كما قال الله -سبحانه وتعالى- عن فرعون: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (الرخرف 54) ، فيصبح حاكمًا.
إذًا، ينبغي أيها الإخوة أيها الأحبة، أن نتعامل مع الحاكم تعاملا صحيحا سننيا شرعيا أن هذا الحاكم هو من الناس؛ يخطئ ويصيب، وانظروا إلى تلك السيرة العظيمة التي هي نبراسنا وهادينا في التعامل مع الحكام، وإلى الطريقة الصحيحة للتعامل مع الأمة، انظروا إلى سيرة أبي بكر -رضي الله تعالى عنه-، انظروا إلى سيرة عمر، انظروا إلى سيرة عثمان، إلى سيرة علي، أناس من الناس يقف أحدهم على المنبر ويخاطب الأمة ويحدثها ويقول لها: أعينوني، أنا بحاجة إلى إعانتكم، ويقول لهم: إن وجدتم فيّ اعوجاجا فقوموني. الآن أُلغيت كل هذه الأحكام الجليلة العظيمة في التعامل مع الحكام من أذهان أقوام ينتسبون إلى السلف كذبًا وزورًا، ويريدون من
(1) - عنوان الكتاب: (غياث الأمم في التياث الظلم) ؛ المؤلف: إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، ويعرف كذلك بعنوان (الغياثي) .