فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 545

ولكن يبقى السؤال: هل هذا الجواز معلق بالمصلحة؟

الجواب: نعم، ينبغي النظر إلى المصلحة، ولكن نحن نتحدث عن أن سلفنا كان من فتاويهم جواز الخروج على الحاكم لعدم وجود الرضا لهذا الحاكم (عقد تم بإكراه) ، وإذا وجد الإكراه؛ بطل العقد، لأن أساس قيام العقود الصحيحة هو الرضا.

الحالة الثانية:

الآن نأتي إلى المعقود عليه، على ماذا قام العقد بين الأمة وبين الحاكم؟

قام على وجوب أن يقوم هذا الحاكم بمهمات الشريعة التي جاءت بها وكلفت بها الأمة [1] ، وهذه نقطة مهمة: أن الأعمال التي يقوم بها الإمام؛ مثل إقامة الحدود وإعلان الجهاد واستقبال الوفود ورعاية شؤون الأمة القضائية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، القيام بمهمات الدين والدنيا [2] بحماية البيضة؛ هذه هي المعقود عليها، وهذا هو الذي من أجله تم العقد، فإذا لم يوجد من الحاكم رعاية لهذا المعقود عليه؛ يجوز حينها للأمة أن تخرج عليه، بل يجب على الأمة أن تخرج عليه؛ لأن مفسدته حينئذ ببقائه حاكما وبعدم قيامه على المهمات والواجبات التي أنيطت به، وهذا يجعل المفاسد للأسف أعظم من المصالح.

وقلت أن المهمات أو الواجبات التي تناط بالحاكم هي في الحقيقة واجبات على الأمة، والشارع كلف بها الأمة: الأمة بمجموعها مكلفة بأن تقيم الحدود، الأمة بمجموعها مكلفة بالجهاد في سبيل الله، الأمة بمجموعها مكلفة بحماية البيضة، الأمة بمجموعها مكلفة بنشر الإسلام، ولكن لا يمكن للأمة أن تقوم من غير رعاية حاكم، فالذي حصل، ولأن الإنسان مدني بطبعه ولا يمكن أن يصلح بشر أو قوم من الأقوام إلا بوجود إمام؛ فالأمة انتخبت ورضيت رجلًا يصلح لهذه المهمة، فعقدت معه عقدًا على قيامه بهذه المهمات معها، ولذلك قال الله -عز وجل-: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (المائدة 47) ، قال: {أهل الإنجيل} ، ولم يقل الحكام؛ فالأمة مكلفة بالحكم بما أنزل الله، ولكن لا يستطيع كل واحد أن يكون قاضيا؛ فلا بد من وجود قاض للأمة، لا بد من وجود حاكم هو الذي يصدر أمر الجهاد، كون هذه الأعمال هي أعمال جماعية ولا يمكن أن تقوم بتشتت؛ فلا بد من وجود هذه الجماعة، ولا يمكن أن تسمى جماعة إلا بوجود إمام يقوم بشأنها.

(1) - قال الماوردي: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

(2) قال الجويني: الإمامة رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا. مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت