فهرس الكتاب
إذاً، التكاليف المذكورة في كتب أئمتنا من واجبات على الحاكم هي في الحقيقة واجبات على الأمة أصلا، ولكن الأمة عقدت عقدا مع الحاكم أن يقوم بهذه الشؤون معها معها لا خارجا عنها، فلو أن الحاكم أصدر أمرا بالجهاد فمن الذي يجاهد؟ الجواب: الأمة، إذا الحاكم أصدر أمرا بإقامة حكم ما لقتال بغاة أو لقتال خوارج أو لإقامة حدود؛ من الذي يقوم بهذه الأحكام الشرعية؟ الذي يقوم بها هي الأمة، ولكن الأمة بحاجة -حتى تسمى أمة- لأمير وقائد. هذا مثل صلاة الجماعة: الأمة مكلفة بالصلاة ومكلفة بصلاة الجماعة ولا يمكن أن تكون هناك جماعة تقوم بهذه الصلاة إلا بوجود الإمام، وهذا الإمام مكلف من قبل الأمة أن يقوم بما اتفق عليه وأمر الشارع به من كونه إمامًا.
إذاً، إذا غلب الحاكم من غير رضا يجوز للأمة أن تخرج عليه، وهذا الجواز معلق بالمصلحة ولا شك، وهذا كلام السلف ولكن، هل تكون آثمة إن خرجت؟ الجواب: لا تكون آثمة لأنها تريد أن تسترد حقها في أن يحكمها رجل رضيت عنه؛ إذ لا يجوز ولا يجبر أحد من الناس أن يلتزم بعقد يكره عليه، ولكن ينظر إلى المصلحة لأن المسألة ليست مسألة شخص واحد، ولكن مسألة أمة، ثم ينظر إذا قام الحاكم بالواجبات التي كلفته الأمة بها -طبعا بتكليف الشارع-، فالسيادة للشرع ولكن السلطة الأمة، فينظر إذا تخلف الإمام عن قيامه بهذه الواجبات فيجب على الأمة أن تقوم عليه.
ونحن هنا لا نتكلم عن ذات الحاكم -هل كفر بذاته-، فقد يأتي بعمل يتعلق بالأمة ولكن فيه المعصية البواح وفيه الكفر البواح، قد ينشر الظلم، قد يدعو إلى الزنا، قد يسهل المعاصي ويلاحق أصحاب الطاعات، وقد يمنع نشر الإسلام وسب الكافرين، وقد يدخل في طوائف الكفر، وهذه قضايا متعلقة بالأمة؛ حينئذ يجب على الأمة أن تخرج عليه.
والحديث الذي يدور الآن بين إخواننا وبين المخالفين حديث يدور حول كُفر الحاكم، الحاكم كفر أم لم يكفر بالنظر إلى ذاته! ولذلك هم يقولون: هو يصلي. أنا الآن لا أتكلم عن ذاته ولكن أتكلم عن قيامه بالواجبات التي أناطت الأمة به أن يقوم بها؛ فيجب على الأمة إذا نشر الظلم وإذا لم يقم على الجملة بمهمات الإمامة أن تخرج عليه، وهذا الذي جاء في الحديث: (إلا أن تروا معصية بواحا) [1] ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إلا ان تروا) ، فإذا رأينا معصية بواحا [2] تتعلق بأمر الأمة؛ وجب على الأمة أن تخرج عليه لأنه حينئذ قام بضد ما جيء به من أجله، هو جيء به
(1) - هذه الرواية عند أحمد قال:"ما لم يأمروك بإثم بواحا" (5/ 321) . وعند ابن حبان:"إلا أن يكون معصية" (ح 4562 بإسناد حسن) . وعنده أيضاً:"إلا أن تكون معصية لله بواحاً" (ح 4566 بإسناد حسن) . وأصل الحديث ما أخرجي ومسلم البخاري ومسلم عن عبد الله بن الصامت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان) .
(2) - قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم:"قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان) هكذا هو لمعظم الرواة وفي معظم النسخ (بواحا) بالواو، وفي بعضها:"براحا"، والباء مفتوحة فيهما، ومعناهما: كفرا ظاهرا."
والمراد بالكفر هنا المعاصي، ومعنى:"عندكم من الله فيه برهان"، أي: تعلمونه من دين الله تعالى"."