فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 545

للقيام بمهمات ولكنه الآن جاء بضدها، فيجب على الأمة حينئذ أن تخرج عليه، سواء قلنا حينئذ أنه كفر بذاته أم لم يكفر، نحن نتكلم الآن عن: متى يسقط العقد بين الأمة وبين هذا الحاكم، ولا شك أنه من لم يحكم بالشريعة فقد كفر، قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة 44) ، ولكن قد تكون المعصية ليست بكفر، قد ينشر الظلم والبغي في الناس ويفتح البلاد للسراق والقتلة والكفرة، قد لا يكفر بهذا العمل، ولكنه قام بعمل يضاد المهمة التي استأجرناه نحن الأمة من أجلها.

الحالة الثالثة:

بالنظر إلى العاقدين، ونحن هنا نتكلم عن الحاكم ولا نتكلم عن الأمة، لأن الأمة إذا وجد فيها من بطل عقده مع الإمام بأن كفر مثلا أو بغى أو خرج؛ فللحاكم -والأمة بامتثال أمره- أن تعالج هذا الذي كفر بإقامة الحكم عليه، أو إن بغى على الحاكم وظلم ونقض العهد بما لا يجوز له شرعا أن ينقض هذا العقد. ولكن نحن نتكلم الآن عن الحاكم، انظر إلى كلام الأئمة في ذات الحاكم في كتب السياسة الشرعية، يقولون: إنْ أضر الحاكم عُزل، يعني إن أصابه ضرر بالعمى عُزل، لما [1] ؟ السبب في ذلك -لا يوجد دليل نصي- أنه بالضرر يحصل في حقيقة الأمر عدم وجود قدرة لديه على القيام بمهمات الأمر الذي أنيط به.

إذًا، الآن بالنظر للعقد؛ يجب أن يكون هذا العاقد عنده القدرة على القيام بالمعقود عليه، فرجل تزوج امرأة وهي صالحة عابدة قائمة قانتة، ولكنها لا تصلح للمعقود عليه -والمعقود عليه هو أن تسلم المرأة نفسها للرجل-، قد تكون عابدة قائمة صالحة، ولكن قد تكون لا تصلح للرجال؛ حينئذ يجوز للرجل أن يبطل العقد، ولا يقال حينئذ لأنها كفرت ولا لأنها فسقت ولا لأنهالم تحترم عرضه، ولكن يبطل العقد لعدم إمكان هذه المرأة القيام بمهمات المعقود عليها.

فهل يا أيها الناس، هل يا أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، هل يكون عقد الإمامة أدنى مرتبة في أذهانكم من عقد النساء!!!؟؟؟ وعقد النساء يكون ضرره على شخص وأسرة، وعقد الإمامة تسير مفاسده -إن فسد- في الأمة أجمع.

فثالث نقطة تجيز الخروج على الحاكم هي بالنظر كما قلنا إلى العاقدين، أي إلى الحاكم إذا لم يكن عنده قدرة وأصابه ضر اقتضى ألا يقدر على القيام بمهمات المعقود عليه، وقال أئمتنا بنص الحديث: (إلا أن تروا كفرا بواحا) ، يعني إذا كفر الحاكم بذاته، وأنا لا أتكلم عن كفر الحاكم بعدم قيامه بالواجبات الملقاة عليه، ولكن أتكلم عن الحاكم بذاته.

(1) -راجع كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي، باب: بما يعزل به الإمام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت