فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 545

هل إذا فسق الحاكم، إذا شرب الخمر، إذا زنا الحاكم، إذا ظلم بيده ولم ينشر الظلم ولم يدعُ له ولكن ظلم؛ هل يخرج عليه أم لا يخرج؟ هذا خلاف بين أهل السنة.

إذًا، الجزم بأن مذهب أهل السنة هو عدم الجواز مطلقا هذا كلام باطل، وما خروج الحسين بن علي -رضي الله عنه-، وما خروج عبد الله بن الزبير إلا بسبب رؤياهم للفسق والظلم الذاتي المتعلق بالحاكم. ثم استقر الإفتاء عند جمهور أهل السنة -كما قال ابن حجر في (فتح الباري) عليه رحمة الله- [1] ، فإن بعد موقعة الحرة [2] وما أصاب الأمة من قتل وما أصابها من ظلم من قبل يزيد بن معاوية، وبعد موقعة دير الجماجم، [3] وبعد أن هزم أهل العلم من قبل الحجاج وكان أمير أهل العلم يومئذ عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث؛ نظر أهل السنة وتغيرت نظرتهم إلى قضية جواز الخروج، فصار مذهب أهل السنة بالنسبة للحاكم وفسقه -وليس الحاكم وقيامه على مهمات الحكم الشرعي أو مهمات الواجب الملقى عليه إذا رأينا هذا العقد-، متى يقبل ومتى يجوز للأمة أن تخرج عليه، ولكن للأسف جاء أقوام وقالوا: لا يجوز، انظروا إلى شدة فساد هذا القول!

أعظم عقد في الوجود هو عقد الأمة مع الحاكم، لذلك خيانته من أعظم الآثام، وإبطاله لا يجوز إلا بإبطال الشارع له، بمعنى إذا وجد العقد بين الأمة وبين الحاكم؛ لا يجوز للأمة أن تبطل هذا العقد بعد ذلك إلا إذا الشارع هو الذي أبطله. الأمة لها أن تختار من تريد، وواجب عليها أن تختار الأفضل والأقوى والأمين، وإذا وجد العقد فالأمة بعد ذلك سُلب منها حق إبطال العقد وينبغي أن يبطله الشارع بإبطال ما ذكرنا: إما بعدم وجود العقد الصحيح، وإما بفساد الحاكم لعدم قدرته بالقيام بالمعقود عليه، وإما كذلك بأن يطرأ شيء على هذا الحاكم على خلاف في المسالة الثالثة [4] بين أهل السنة والجماعة.

جاء أقوام في هذا العصر وقالوا أنه لا يجوز الخروج على الحاكم إلا إذا كفر، وينظر إلى الكفر لا بما يقوم بمهمات الأمة ولكن لكفره الذاتي، ولا يجب الخروج عليه ولو نشر الظلم ولو عطل الجهاد ولو حكم بغير الشريعة ولو استباح الفروج ولو نشر الخنا [5] وباع الأمة. الآن الحكام

(1) - قال ابن حجر: وقولهم كان يرى السيف يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور وهذا مذهب للسلف قديم لكن أستقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه ففي وقعة الحرة ووقعة بن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر وبمثل هذا الرأي لا يقدح في رجل قد ثبتت عدالته واشتهر بالحفظ والإتقان والورع التام والحسن مع ذلك لم يخرج على أحد. (تهذيب التهذيب ترجمة الحسن بن صالح بن حي)

(2) - وقعة الحرة كانت بين أهل المدينة من طرف ويزيد بن معاوية والأمويين من طرف آخر، وفيها أن أهل المدينة نقضوا بيعة يزيد بن معاوية لما كان عليه من سوء ولما حدث في معركة كربلاء ومن مقتل الحسين بن علي، فطردوا والي يزيد على المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان ومن معه من بني أمية من المدينة، فأرسل على إثرهم يزيد جيش من الشام وأمر عليهم مسلم بن عقبة المري فوقعت بينهم وقعة الحرة وانتهت بمقتل عدد كبير من الصحابة وأبناء الصحابة والتابعين وكانت عام 63 هـ.

(3) - خرج ابن الأشعث على الحجاج ودارت بينهم معركة سنة 82 هجري في منطقة تقع بين البصرة والكوفة اسمها دير الجماجم وانتصر فيها الحجاج وقتل من العلماء وأهل الفضل الكثير من الذين خرجوا مع ابن الاشعث بسبب ظلم الحجاج، وكان ممن خرج على الحجاج التابعي سعيد بن جبير الذي قتله الحجاج بعدها.

(4) - أي الحالة الثالثة التي يعزل بها الإمام وهي إن أصابه ضرر يمنعه من القيام بمهمات الإمامة.

(5) - الخَنا: الفَحْشُ في الكلام وخَنا الدَّهْرِ: آفاته ونَوَائبه. (المعجم الوسيط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت