يبيعون البلاد والعباد والعرض إلى الكفار، ويدخلون الكفار ويجعلونهم أسيادا، وقالوا لا يجوز الخروج عليهم إلا إذا كفروا! وكيف يكفرون؟ قالوا: يكفر الحاكم إذا كفر بذاته. ولذلك يقولون: هذا حاكم يصلي، قضية العقد، قضية الحكم؛ ما دخلها في صلاة الحاكم؟! إنما دخلها في النظر إلى الحاكم، وهو كما قلنا في القسم الثالث -وهما العاقدان في النظر إليهما-، ولكن نحن نتكلم عن الحكم وعن مهمات الحاكم في هذا العقد العظيم الذي تم بينه وبين الأمة. قالوا:"لا يجوز الخروج على الحاكم إلا إذا كفر بذاته"، لو أبطل كل شيء ولكن لم يكفر بذاته فإنه لا يجوز الخروج عليه، وقالوا ليس لنا أن نحكم بكفره -في التعليق على التسلسل الممتنع [1] الذي لا يمكن أن يقع-، لا يجوز لنا أن نحكم بكفر الحاكم حتى نعرف ما في قلبه من نظرته إلى الإسلام، لا يجوز الخروج على الحاكم إلا إذا كفر ولا يجوز لنا أن نكفره حتى نننقب على قلبه فنعرف أكفر بقلبه أم لا، يعني لو وقع منه الكفر العملي -ليس الكفر الأصغر، لكن الأعمال التي حكم الشارع بكفرها كالحكم بغير ما أنزل الله-، كسب الدين، كالاستهزاء بالسنة؛ قالوا: هذه الاعمال لا يجوز لنا أن نكفر بها الحاكم حتى نعرف ما في قلبه M استحلها أم لم يستحلها! حينئذ في الحقيقة يصبح حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لا قيمة له: (إلا ان تروا كفرا بواحا) ، [2] ولا يمكن أن تقع الرؤية إلا بالنظر إلى الشيء الظاهر؛ فلماذا يطالب منا وتطالب الأمة ألا تكفر رجلا، ولا يجوز الخروج عن الحاكم حتى ننقب قلبه؟؟
وقد أدرك الحكام هذه اللعبة، فإنهم يفعلون كل الأعمال المكفرة -التي جاء الشارع بتسميتها كفرُا- ثم يخرجون أمام الناس ويقولون: نحن مسلمون، وحينئذلم يجز للأمة أن تخرج عليه. فصار دين اليهود والنصارى ودين العلمانيين في باب السياسة الشرعية أجلّ وأعظم من دين الإسلام الذي يعتقده هؤلاء الجهلة.
أعظم عقد يتعلق بمهمات الإسلام العظيمة من نشر الإسلام وقيام الخير والعدل جاء الإسلام ليقيم الدين في الأرض وينشر العدل ويقيم الحق ويعبّد الناس لرب العباد هو العقد بين الحاكم والأمة، وصارت النظرة إلى ما يتعلق بأعظم قضية وأعظم عقد بالنظر إلى ذات الحاكم ولا يمكن أن نحكم عليه إلا بمعرفة ما في قلبه، وحينئذ نحتاج إلى آلات حفر شديدة جدًّا لا توجد في هذا
(1) - التسلسل الممتنع هو تسلسل أمرين يعتمد وجود الأول على وجود الثاني ويعتمد وجود الثاني على وجود الأول، أي استحالة وقوع أحدهما.
(2) -أصبح الحديث لا قيمة له لسببين: الأول الذي ذكره الشيخ، وهو استحالة معرفة كفر الحاكم لأنهم اشترطوا عملا قلبيا وهو الاستحلال وهذا يدخلنا في الدور الممتنع الي يستحيل وقوعه، والسبب الثاني: قد أخرج المناط المعلق عليه الخروج من الحديث، لأن نص الحديث يقول بالخروج لمجرد أن نرى الكفر البواح، كفر الحاكم بذاته أو لم يكفر لا يعنينا بقدر ما يعنينا تحقق وقوع الفعل الكفري، لأنه قد يقع المرء بالكفر ولا يكفر من باب التفريق بين الفعل والفاعل، وهنا النص النبوي أن نرى الكفر البواح وكفر الحاكم بذاته ولم يكفر لا يعنينا، فالحكم بغير ما أنزل الله كفر، فمجرد الحكم بغير ما أنزل الله جاز الخروج كفر الحاكم بذاته أو لم يكفر لأن الكفر البواح قد ظهر ورأيناه وهذا كاف.