فهرس الكتاب
في آخر دراسة عن العولمة لصحفيين انجليزيين حققا جائزة لرصدهما الدقيق لها ولأساسياتها كما تقول الجائزة نشرته إحدى الجرائد العربية، سرت مع الكتاب من أوله إلى آخره مشدوها بحركة الدمى التي يحركها الكاتبان أمام طفل صغير مثلي مغرم بالأرقام والألوان المزركشية لوصف مضطرد ممتع لحالات تلهيك عن كونها مرضاً أو عافية وهي قطعاً سبب اغراء الجريدة التي عانت فترجمت الكتاب وربما دفعت المال لصاحبيه حتى تنشره، أقول سرت مع الكتاب مشدوهاً أمام حركة الدمى الملهية والظاهرية والساترة للعبة الحقيقية لما خلفها من اخراج وأصابع ذكية، لأني بالفعل شعرت أني سرقت في نهاية المطاف من أن أسال نفسي حين يعرض هؤلاء علي مقدار المتع التي تحققها العولمة سؤالاً ساذجاً لرجل هو للبداوة أقرب:
ومن أين تتحقق كل هذه المتع العظيمة لهذا العالم الذي صار في بعض مناطقه يضن بكأس الماء؟
عندما نتكلم عن رفاهية وثراء فلا بد من سؤال طبيعي من أين لنا هذا وما هو مصدره؟
لكن أن أخدع بكل الألوان الجميلة والملهية والبرقة والسارقة للعيون عن هذا السؤال فهي تهمة توجه لمثل هذه العروض الكاذبة.
نعم هم لن يسألوا ولن يستعرضوا شيئاً من ذلك كله لأنهم ان تكلموا حينها سينقلب كل هذا العرض الجميل الى موقع جديد آخر فيه الفقر والدم والاضطرابات والصراعات والوحشية وحينها نعلم أن وراء هذه الصور حرب دائرة بكل معنى الكلمة.
فحين تجابهك صورة العالم بقاراته الخمس حسب تقسيماته الجغرافية الجديدة والمقصودة وتمعن النظر فتجد ان ما يقال له قارة أوروبا هي في مساحتها تعادل بلداً أفريقيا واحد هو السودان، فإذا وضعت هذه المعلومة كصورة خلفية أمام مجموعة الأرقام الاستهلاكية ومعدل الرفاهية تدرك كم ضحكوا عليك في لعبة عرض الدمى والصور الباهرة.
كأس النفط ورغيف الخبز:
ضع أمام كل ما تقرأ عن شركات الإتصالات وشركات متعددة الجنسيات زعموا - بل لها جنسية واحدة - وشركات المضاربات، وضع أمام كل المنتجات الجميلة من ألبسة وعطور ودور أزياء وسيارات فارهة ثمينة وشركات بناء، وضع أمام كل ما يتاجرون به حتى لا تنسى مهنة البغاء والتي هي موظفة في أساسيات العولمة مع تجارة الرقيق الأبيض، ومر في طريقك بصناعة السينما التي صارت الأعلى تكلفة في كل ما يحتاجه الانسان من رفاهية