والأحكام الشرعية مناطاتها تتعلق بما هو ظاهر من قول أو عمل، ولكن إن نسينا مبعث القول والعمل وكيف يتكون أحدهما في داخل الإنسان فإن كثيراً من التخبط والتيه سيقع فيه الفقيه والحاكم.
ولو نظرنا إلى أهل البدع قديماً وحديثاً لرأينا أن سبب انحرافهم في فهم الشريعة على حقيقتها إنما وقع بسبب انحرافهم في تفسير إيمان المؤمن وكفر الكافر، وما نراه اليوم من صور مشوهة لمفتين وقادة حركات إسلامية في تهوينهم لأمر الكفر والمعصية، وإلباس الكافرين ثوب العقلانية والفكر إنما مأتاه من هذا الانحراف الناشئ من عدم فهمهم لجذور الكفر القولي والعملي الظاهر وأنه نابع ومتجذر من نفس خبيثة وقلب قاس.
إن محبة المؤمن وموالاته تنشأ وتزيد وتتجذر حين تعلم أي باطن صالح انطوت عليه ضلوع صدره، وإن بغض الكافر ومعاداته تنشأ وتزيد وتتجذر حين تعلم أي باطن خبيث قذر انطوت عليه ضلوع صدره.
هذه واحدة، وأخرى لا بدّ منها في هذا الباب، وهو أن السنن النفسية التي تحدث عنها القرآن إنما يقصد منها الوصول إلى الأحكام التي يتدين بها المسلم، وكذلك معرفة المستقر الذي تؤول إليه كل نفسية، وحق كل نفسية بهذا الحكم وهذا المستقر، وأن الله لا يظلم الناس بل هو أرحم منهم على أنفسهم، وفي ذلك عظة وعبرة لأهل الإسلام في تنقية بواطنهم وإصلاحها لئلا يصيبهم ما وقع على غيرهم، فالمقصد هو تحقيق عبودية الله تعالى ودفعهم لها عن طريق هذا السبيل.
والآن إلى الآيات التي صدرنا بها هذه الحصة، لنرى فيها ما يفتح الله ما نحن بصدده:
- {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون} .
أول ما يجبهك حين تتلو هذه الآية الجليلة العظيمة أن تذكر إن كنت عالماً قول النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة ذات أنواط"إنها السُّنن"فدوران الفلك وتعاقب الليل والنهار لا يغيران شيئاً في هذه السنن بل يعود الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، فلا تتطور ولا تغيّر، ولا استحداث، وكل ما يراه الناس من جديد فهو لباطن واحد ولحقائق داخلية واحدة، وإلا فما فائدة حكاية القديم إن لم يكن فيه فائدة للحاضر والمستقبل، ولذلك يقول الله: يا محمد صلى الله عليه وسلم ما أنت مع قومك، وما ستراه منهم، وما سيقع فيهم إلا جرياناً على سنن الحياة في أعظم قضية تحدث في الوجود وهي قضية"الرسالة"، هذا الحدث العظيم الذي ترتبت عليه