الحياة، في سلوك أفرادها وجماعاتها، وفي أحكامهم وفي قضاياهم، في صلاحهم وفسادهم، كذلك فيه إدخال لجانب آخر لا يخطر على البال من جهة الفكر والنظر البديهي، هذا الجانب هو حركة الكون من أقدار وأحداث.
هل للرسالة دور في نزول المطر ونضوبه؟ وهل لها دور في الأمراض البدنية كما لها دور في الأمراض القلبية والنفسية؟ وهل لها دور في زلازل الأرض وبراكينها كما لها دور في الحروب والصراعات؟
هذه الأسئلة وأمثالها هي ما تجيب عليها هذه الآيات الشريفة الجليلة، إنها علاقة الرسالة بالكون، وارتباط أحداثه بما ينشأ في نفوس الخلق من رقة وقسوة، من تضرع وإعراض، من ذكر ونسيان، من اتِّباع للشيطان أو الإعراض عنه، وهو جانب جعل الله تعالى كتابه كاشفاً له في أجلى هداية وأحسن بيان، يهتدي بها أهل القرآن وتطمئن نفوسهم له، وجعل الله تعالى في قدره وكونه من تزيين لأهل الغواية أن لا يهتدوا لها {وكذلك زينا لكل أمة عملهم} ذلك حين تشغلهم هذه السنن بذاتها دون أن يتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (لا عدوى ولا طيرة) ، فاستفسر صحابي عن هذه السنن التي يراها في انتقال الأمراض من مصاب إلى صحيح فقال له صلى الله عليه وسلم: (فمن أعدى الأول) .
فكان لا بدّ من العودة إلى الأول الذي لا ينشأ شيء إلا من خلقه، وهو في علاه أراد من الخلق الخضوع والإخبات لجلاله وكبريائه، فلماذا لا يدرك أهل النظر أن في هذا الإنشاء سوق لهم لهذا الإخبات والخضوع والتضرع: {فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون} فربّنا سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يسألوه وأن يخافوه وأن يحبوه وجماع ذلك يكون في الضراعة فهو تضرع من خوف؛ إذ يتضرع الرجل من خوف، وهو تضرع من حب وتعلق، فبهذا سمي الضِّرع الذي يحلب منه الغذاء السَّائلِ ضرعاً، فهو خوف وحب.
وقد يشكل معنى الحب هنا في هذا الموطن على بعضهم إذ الموطن موطن البأساء والضراء فأين موطن الحب والتعلق.
والجواب على هذا الإشكال في قوله تعالى: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} فهو: رأى المؤمنون الأحزاب هذا بأس وضر، أما قولهم: هذا ما وعدنا - وانتبه إلى اختيار كلمة الوعد هنا لا الوعيد - فهو الحب والتعلق. والعربي القديم قال ذلك شعراً:
لقد ساءني أن نلتني بمذمة كما سرّني أني خطرت ببالكا