فأي محبة هذه في قلوب المخبتين التي أفرحتهم أن الله تعالى ابتلاهم، فرأوا في البلاء ذكرى لهم للتوبة وموعظة لهم للعودة، وفرصة لهم للرقي في مدارج العابدين لبلوغ مقامات ما كان لهم أن يبلغوها لولا هذه السراء والضراء. فهذا هو باب تضرع الحبيب في هذا الموطن وذلك حين نزول البلاء، إنه رب كما يجب أن يخافه العبد كذلك يجب أن يحبه العبد، ولا غنى للعبودية عن هذين الأمرين: الحب والخوف.
- {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} .
لقد جاءتهم الضراء وحلت بهم البأساء فماذا كان منهم: قست قلوبهم، هذه الموعظة الكونية (الضراء) لم تنفعهم كما لم تنفعهم الموعظة الشرعية -أرسلنا- فالبيان في الآذان صموا عنه، والبيان في الأبدان زادهم صماً، فأي قلوب هذه التي يحملونها؟ وهل هناك من رجاء في هدايتهم؟! وهل هناك خير يرجى منها أو يطمع فيها؟! لقد {قست قلوبهم} والقلوب القاسية لا تعرف الضراعة، فهي لا تحب مولاها ولا تخاف منه، فلا الخير ينفعها كما في الآية التالية ولا الشر يعظها ولا حسن البيان يرققها، فأي شيء سترقب من الله أن يحكم فيهم؟ وفي أي مستقر سيكون مصيرهم؟! وانظر إلى قوله تعالى {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} فيه إيحاء أن هذا ما كان يرجى منهم، وهذا المتوقع الحسن الذي يتلاءم مع الفطرة والحق، ولكن {قست قلوبهم} .
وههنا لا بدّ من بحث لا يتلاءم الخوض فيه ههنا ولكن اترك القارئ لينشغل فيه ويتأمل في جوانبه وهو الحال الذي تلقى القلب فيه البأساء والضراء حتى قسى وصلب، وكيف فسَّر هذا القلب هذا الابتلاء فازدادت صلابته وقسوته.
{وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} ، وهذا عامل خارجي لتكتمل الغواية، ولكن تذكر أنه حتى لو لم يكن الشيطان، وحتى لو لم تكن غوايته وتزيينه فإن في نفوسهم من الشر ما هو كافٍ للحكم عليهم، ولهم قلوب قاسية ما تمنعهم بذاتها من قبول الحق واتباعه والضراعة إلى الله الرحيم. فالشيطان يزين والشيطان يغوي، ولكن فيهم هم من الخبث والقذارة ما يكفي. فالشيطان زيَّن لهم ما كانوا يعملون، فهم عاملون قبل إغواء الشيطان وتزيينه، ولكنه ههنا أكمل الحلقة حتى غلقت فلا نفاذ للخير إلى النفوس والقلوب.
قلوب قاسية وشيطان يزين أعمالها. فيا أيها الرسول {لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} ، وهذه الآية تفسرها آيات أخرى في الكتاب تبيّن سنّة الرب جلّ في علاه وصنيعه في حق من تضرعوا عند حصول البأساء والضراء وهو ما تقدم في الآية السابقة لهذه الآيات