وذلك في قوله تعالى {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} ، ومثل قوله تعالى {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين * قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون} [الأنعام: 64] .
ثمَّ لو جمعت مع هذا الذي تكشفه هذه الآيات من نفس هذا الكافر الخبيث مع رحمة الله تعالى به ليسوقه للخير فيأبى ويرفض لرأيت جلياً حقه في الحكم الذي حكم الله به عليه، وعدل القرار الذي استقر به. قال تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} [الأنعام: 81] . وقوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها} .
إن هذا كله الذي يسوقه القرآن من حال هؤلاء ليقبح صورتهم في نفس نبيه صلى الله عليه وسلم وفي نفوس أتباعه، ثم ليقبح اختيارهم وما يشتهونه وما يعملونه، وحتى يعلم أهل الحق أنهم {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله * إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام: 116] . وحتى يقول لهم {إتبع ما أُوحِيَ إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين} [الأنعام: 106] . وحتى يعلم أهل الحق قيمة المؤمن الذي أخبت لربه {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} [الأنعام: 52] وحتى {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54] وحتى تعلم أن كفر الكافر وظلم الظالم وإعراض المعرض ليس لعدم معرفته للحق أو لضلال فكره مع حسن نيته وقصده ولكن لخبث نفوسهم وقساوة قلوبهم {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] .
هذه هي سورة الأنعام بعرضها الأحكام الشرعية على هذا النسق وبهذا الاتجاه: الإغراء التام والكشف الواضح لحقائق الأمور من باطنها بعيداً عن انحراف الناس مهما كانوا في إعذار الكافر الذي يدفعك بجهالة للقرب منه أو الأخذ ولو قليلاً مما عنده. إنها سنن الكون التي تكشف لك صواب الشرع وحقانيته.
- {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} .