فهرس الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
محاضرة للأخوات, ألقاها فضيلة الشيخ أبي قتادة الفلسطيني متحدثًا عن الدور الذي لعبه أعداء الدين في إبعاد المرأة عن دينها, وعن حقيقة دورها, وتضييع حجابها وحيائها .. والمخالفات التي تقع فيها كثير من النساء حتى من المتدينات.
ثم يعرض نماذج نسائية عظيمة, نماذج نساء مؤمنات رضين أن يربين أبناءهن على دين الله عز وجل .. حاكيًا قصصًا لنساءٍ نبيلاتٍ من عصرنا, ونساءٍ عظيماتٍ من التاريخ.
ويتحدث بعدها عن دور المرأة المهم في التربية .. عن صناعة النساء للرجال, وتربية أبنائهن على حب الجهاد والتضحية والشهادة في سبيل الله عز وجل.
وهذا تفريغ للمحاضرة الصوتية تقدمه الشامخة راجيةً من الله أن ينفع به نساء الإسلام ..
~ شامخةٌ أنا بعقيدتي ~
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه, والصلاة والسلام على رسول الله الأمين, خير خلق الله, وعلى آله الطيبين الطاهرين, وعلى أصحابه جميعًا الغر الميامين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وبعد:
أيتها الأخوات ..
أجتمعُ معكن في هذا اللقاء والقلب يتقطعُ أسًى وحسرة, وأبَيتُ إلا أن أصارحَ النساء على مختلف درجاتهن في الفهم والذكاء والدراسة والإدراك؛ أن أصارحهن بما بُيِّت لهن من قديم .. ماذا فكر الآخرون ليصنعوا بهذه المرأة, ليخرجوها عن فطرتها, ويخرجوها عن إسلامها, ويخرجوها عن دينها ..
مجتمعاتنا ولا شك كانت قبل هذه المرحلة وقبل مجيئ الاستعمار إلى بلادنا؛ لا أستطيع إلا أن أصارح فأقول: إن المرأة كانت مظلومة. لم يكتشف رجالنا في القرى والبوادي والمدن ما هي قيمة المرأة, وكم هي عظمة هذا المخلوق العظيم في هذه المجتمعات وفي كل المجتمعات.
كان الرجل المتخلف الذي لم يفهم شيئًا من دين الله سبحانه وتعالى .. كان يظن أن المرأة إنما هي مجرد متاع, هي كأدوات البيت لا قيمة لها, حتى إن بعض المجتمعات الإسلامية ربما أجازوا للرجل أن يقتل زوجته ولا يستطيع أهلها أن يسألوا عنها, فهي كعَرَضٍ زائل, أو كمالٍ يجوز للرجل أن يتلفه ولا يسأله سائل, بمعنى أن نظرة المسلمين الجاهلين إلى المرأة قد عادت إلى ما كان عليه أهل الجاهلية, لا يقيمون لهذا المخلوق أمرًا وشأنًا, فجاء أهل الكفر ونظروا إلى هذه الحالة البئيسة للمرأة, وأدركوا أنها صمام الأمان, أي أن مفتاح الخير ومفتاح الشر للمجتمعات هي المرأة, فكان من أركان جهودهم على بلادنا وعلى مجتمعاتنا وعلى أسرنا هو إفساد المرأة, وإخراجها من دورها الصحيح حتى يتلعّبوا بها, فأخرجوها من كونها متاعًا لرجل البيت إلى متاع لكل رجل! جاؤوا إلى بلادنا وهم يحملون كلمات معسولة, وهم يحملون عباراتٍ رقيقة, تدعو المرأة أن تتحرر من قيودها, وتدعو المرأة إلى أن تعرف -كما يزعمون- حقوقها.
قالوا لك أيتها المرأة -وهم الخبثاء- وقد درسوا نفسية النساء ونفسية واقع النساء في بلادنا, جاؤوا وقالوا: (لقد ظُلمتِ أيتها المرأة, وهُضمتِ الحقوق) , وهذا كله صواب وصحيح ولا نماري فيه ولا نجادل ..
ولكن هل يكون العلاج بما فعلوا؟
هل العلاج بما تم على واقع الأمر الذي نشهده هذه الأيام؟ هل العلاج من إخراج المرأة من بيتها وإخراجها من النظرة الجاهلية التي عاد الناس إليها هو أن تكون المرأة مجرد متاع تصلح صورتها من أجل الدعاية وجلب الزبائن, وتُستخدم صورتها كالدابة يكون لحمها معروضًا لكل كلب يسيل لعابه, هل هذا هو العلاج؟
هل العلاج أيتها الأخت الكريمة -والكريمة من أطاعت الرب جل في علاه- هو ما وقع في عصرنا الحاضر؛ هو أن تكون المرأة نهبة لكل أحد؟ هل العلاج أيتها الأخت هو أن يصبح جسد المرأة الذي حرمه الله والذي صانه الله سبحانه وتعالى لأنها جوهرة, لأن المرأة في دين الله سبحانه وتعالى هي جوهرة عظيمة, ينبغي أن تُحفظ وتُصان, وينبغي أن لا يُسمح لأحد أن يقترب منها إلا من أباح له الله سبحانه وتعالى ذلك .. صارت المرأة معروضة للرائي يُتاجَر بها على شاشات التلفاز وعلى صفحات الجرائد, يتاجر بها لأنها متاع, تُستخدم لجلب الناس, ولجلب المال تستخدم المرأة, صارت في دنيا الناس تلك الجوهرة العظيمة, ذلك المخلوق الذي يحبه الله سبحانه وتعالى؛ صارت بضاعة لا قيمة لها, يُتمتع بها في شبابها, ويؤخذ منها زهرة حياتها ما دامت زهرةً بضة جميلة حتى إذا أتاها الكبر -ولا بد أن يأتي- وحتى إذا أصابها الهرم -ولا بد أن يكون لها يوم يصيبها الهرم فيه- رُميت, ألقيت على قارعة الطريق, لا تجد لها مؤنسًا, ولا تجد لها محبًّا, ولا تجد لها راعيًا, لا ولد يلقي عليها بشيء من الحنان أو بشيء من العطف, بل يبحث لها ... بيوت تسمى بيوت العجزة, فتلقى فيه هذه المسكينة.
أين مضى ذلك العز الذي كان يُنظر إليها فيه بتعظيم وبدفع الثمن لها؟ أين مضى هذا؟ لم تفكر فيما سيأتيها من أيام, لم تفكر لأن عقلها كان تائهًا في البحث عن الشهوة والشهرة, في البحث عن زينة الدنيا, في البحث عن ملذات الحياة, في غيها سادرة, وفي ظلام الدنيا يُتلعَّب بها, فلم تفكر في هذه الأيام.
يا أيتها الأخت الكريمة -والكريمة من أطاعت الرب جل في علاه-
لأمرٍ ما اهتموا بأمر هذه المرأة, لأمر عظيم أخرجوك من بيتك, من مملكتك .. قالوا لك: لماذا تكونين خادمة؟ فسموا رعاية الأولاد خدمة ومهانة وحقارة, سموا مملكة البيت حريمًا, قالوا: أنت"حريم"لا يجوز لك أن تخرجي من البيت لماذا؟ هل الرجل بأكثر منك قيمة؟ هل هو الذي يصلح لكل شيء؟ هل هو الذي له الحق أن يخرج إلى الدنيا؟ وشبهوا لك أن الخروج إلى الحياة وخروج الرجل إلى الدنيا إنما هو من باب التمتع, ولم يكشفوا لك الحقيقة؛ أن خروج الرجل من البيت إنما هو ضنك, إنما هو تعب كما قال الله سبحانه وتعالى عن آدم وحواء, قال جل في علاه: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) , انظرن أيتها الأخوات إلى هذه الآية العظيمة, قال الله لآدم وحواء (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا) أي الشيطان, فلا يخرجنكما من الجنة, فآدم وحواء قد خرجا من الجنة, ولكن الشقاء لمن؟ من الذي خصه الله بالشقاء؟ هل هو المرأة أم الرجل؟ قال: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) فخص الله عز وجل الشقاء للرجل, فخروج الرجل من البيت ليكسب العيش ويجمع المال ويبحث عن بيته ولبيته الخير إنما هو شقاءٌ له, لكنهم خدعوك أيتها الأخت, قالوا لك أن الخروج من البيت هو نعمة وخاصية للرجل, لماذا لا تخرجي أنت معه, فأنت تستطيعين أن تعملي كما يعمل, وتدرسي كما يدرس, وتشاركي في مسرات الحياة كما يزعمون, ماذا كانت النتيجة؟
كانت النتيجة أن خرجت المرأة وأجابت الداعي, وخرجت بعض النساء في مَجْمع في مصر إلى الآن يسمى هذا الدوّار أو هذا المجمع يسمى بـ (ميدان التحرير) , إلى الآن يسمونه في مصر ميدان التحرير, وسمي بهذا الاسم لأن امرأة قد خدعتها كلمات الكفر والشرك, كلمات الأعداء, قد خرجت وجمعت النساء في ذلك الميدان, وخلعت الحجاب, برقع الحياء والفضيلة, خلعت الحجاب أمام النساء, هذه المرأة تسمى (هدى شعراوي) ومعها أختها (صفية زغلول) التي كانت تسمى كذبًا وزورًا بأم المصريين, خرجت هذه المرأة وجمعت النساء في الميدان وخلعت الحجاب عن رأسها وأعلنت"تحرر المرأة", فسمي هذا الميدان بميدان التحرير, أي أنه الميدان الذي حُررت فيه المرأة, أي حُررت من إسلامها, وحُررت من فضيلتها, وحُررت من عفتها.
أخرجوا المرأة إلى العمل, قالوا لها لا بد أن تتعلمي, وألبسوها لباسًا خاصًّا حتى يعوّدوها من صغرها على عدم الستر وأخرجوها إلى المدارس, قالوا لنا في البداية نريد مدارس خاصة, لكنها لم تقف عند المدارس الخاصة بل دعوا بعد ذلك إلى الاختلاط, ثم أوصلوها إلى الجامعة, وبدل أن تهتم المرأة بما تهتم به من فطرتها بإنشاء البيت المسلم ورعاية البيت وحفظ الزوج وإقامة الفضيلة ومنع الغرور صارت المرأة تفكر بما يفكر فيه الرجل الذي سماه الله عز وجل (شقاءً) .. (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) , فصارت المرأة شقية.
والآن .. لا أستطيع أن أصف واقع الأمة أكثر مما ترين في هذه البلاد, ماذا ترين في هذه البلاد؟
المرأة تقوم من الصباح, بدل أن تنظر إلى شأن ابنها الرضيع, أو إلى شأن زوجها الذي يريد أن يتحضر للشقاء إلى خارج البيت, وبدل أن تهتم ببيتها؛ صارت تقوم كما يقوم الرجل, فتفكر في وظيفتها, فتخرج لكسب المال لأن عليها واجبًا كما تظن كما هو على الرجل سواءً بسواء, فأخرجوا المرأة إلى العمل وشاركت الرجال, والله عز وجل قد خلق المرأة وهو يعلم ما فيها من أخلاق, وخلق الرجل ويعلم ما فيه من صفات, ويعلم أنه لا يستقيم حال الرجل أبدًا, ولا يستقيم حال المرأة أبدًا إلا بعد أن يُفصل كل واحد عن الآخر, لقوله صلى الله عليه وسلم:"ما خلا رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما".
يقولون لك أنت زميلته, أنت صديقته, ثم قالوا لك أنت شريكته في الحياة, شريكة, والشريك لا بد أن يدفع جزءًا من الأتعاب, وجزءًا من المصروف. خرجت المرأة فجلست بجانب الرجل, وبدأ الرجل يسيل لعابه كالكلب لأنه لا يشبع عينه المرأة ولا زوجته في البيت, بل بدأ يبحث عن اللحم الحرام كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم حال أولئك الرجال عندما أسري به صلى الله عليه وسلم, ثم عُرج به إلى السماء, فرأى رجالًا أمامهم لحمٌ طيب طاهر, ولحمٌ نتن خرب .. هؤلاء الرجال كانوا يتركون اللحم الطيب الطاهر ويقعون في اللحم النتن الخرب, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل:"يا جبريل من هؤلاء؟"قال:"هؤلاء الزناة يتركون ما أحل الله ويقعون فيما حرم الله", فهكذا الرجل صار نهمًا يلاحق, فدمّر بيته وأفسد عرض جاره وأفسد عرض صديقه, وقالوا لها .. انظري أيتها الأخت ماذا قالوا لها حتى وصل الأمر بهم أن قالوا: كيف جاز لمجتمعات التخلف الشرقية, كيف أجازت تلك المجتمعات للرجل أن يأخذ أكثر من مرأة؟ فلا بد لك أيتها المرأة أن تطالبي بأكثر من زوج, ألا ساء ما يقولون! (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) إن يقولون إلا فسادًا وضلالًا.
نعم, صار الرجل كالكلب, منهوم, يستطيع أن يبث رجسه في كل مكان وهو يزيّن للمرأة ويدعوها ويشدها بحبل رقيق ويقول لها: تحرري! وزعماء هذه الفكرة إنما هم قادة الفساد في العالم أجمع, فانتشرت مفاسد الأخلاق في المجتمعات, تحطمت الأسرة, الولد صار عاهة, لا أب له يقوم بشأنه, ولا أم له ترعاه, ولا بيت يؤويه, تحطمت الأسرة وفسدت المجتمعات في الخارج, صار الإنسان يمر في الشارع كأنه يمر في حديقة حيوانات, قد تعرت النساء, والرجل يمد لها بشيء من الحلوى يقول له أقبلي أكثر وأكثر, وكل مرحلة تلي التي بعدها يُسقط عنها شيئًا من ثيابها, من ثياب التقوى, ويُسقط عنها شيئًا من فضيلتها, حتى صارت المرأة مجرد متاع, مجرد بضاعة لا قيمة لها ..
أيتها الأخت .. هذا هو حال المرأة في بلادنا, وأنا لا بد أن أصارحكن, لا بد أن أقول لكن كلمة حق:
إن كثيرًا من النساء المسلمات اللواتي يلبسن الحجاب قد تأثرت -قليلًا أو كثيرًا- بالدعوة إلى إفساد المرأة, التي سُميت كذبًا وزورًا بالدعوة إلى تحرير المرأة, بل هي تأثرت بما يُبث لها في التلفاز, وتأثرت بما تقرأ على صفحات الجرائد, وتأثرت بما تسمع بالمذياع, تأثرت أن لها حقوقًا غير ما يعطيها الإسلام, وظنت أنه لا بد لها الحق أن تفعل ما تشاء ولا قيِّم لها ولا رقيب عليها ولا راعي لشأنها, حتى صارت حتى بيوت المسلمين وحتى بيوت المتدينين لا تخلو من مفاسد بسبب عدم وجود العلاقة الصحيحة السليمة بين الرجل والمرأة.
ظنت المرأة أن لها الحرية وخاصة في هذه البلاد التي يشجع فيها من قِبل قوانينها وأوضاعها إلى أن تستقل المرأة, فالمرأة لها الحق فيما للرجل من حق, فهي لها الحق أن تأخذ البيت, ولها الحق أن تأخذ الراتب, ولها من الحقوق ما للرجل بل ربما لها حق أعظم ما للرجل, فتشوفت المرأة إلى إفساد نفسها وإفساد بيتها, تقول لزوجها: ما الفرق بيني وبينك؟ أنت تكسب المال وأنا أكسب المال, أنت لك الحق أن تأخذ بيتًا وأنا أستطيع من الدولة كذلك أن آخذ البيت, ولذلك ترى جرأة النساء جرأةً .. جرأة الرجال -لا أسمي النساء في هذه الحالة نساء بل لا أرى إلا رجالًا أو أنصاف رجال, كما أني لا أرى رجالًا ولكني أرى أنصاف رجال- لأن المرأة حين أسقطت شيئًا من أنوثتها وشيئًا من كونها امرأة وشيئًا من كونها من النساء كما خلقها الله لا بد أن يتخلى الرجل عن نصف رجوليته في البيت, فصارت المرأة نصف رجل ونصف امرأة, وصار الرجل نصف امرأة ونصف رجل, وتدمر البيت وخرب وكثرت المشاكل وكثرت حالات الطلاق وكثر إنشاء الأولاد الفاسدين, نشأت صورة جديدة في هذه البلاد بسبب أن المرأة لم تعرف حقها ولم تعرف قيمة نفسها, ولم تخضع لزوجها كما أمر الله لأن الله عز وجل يقول: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) , لأن البيت لا يقوم إلا بحكم الله, وحكمُ الله سبحانه وتعالى أن تكون القوامة للرجل, فإذا كانت القوامة نصفها للرجل ونصفها للمرأة ماذا سيؤدي هذا الأمر من أحوال؟ سيؤدي إلى فساد البيت, وإلى دمار الأسرة, وإلى إفساد الحياة.
أنا أقول هذا الآن, كلامي عن المتدينات, لما رأيت في بلاد الغربة, ولما رأيت في بلاد الكفر هذه التي نعيش فيها من تجرؤ المتدينات عندما رأين شيئًا من بريق المال بين أيديهن ترجلن, صرن أنصاف رجال, الله عز وجل يقول: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا) فلما المرأة صارت تنفق في البيت صارت هي الرجل, صارت القوامة لها, وهل المرأة تصلح لهذا؟ هل المرأة بما خلقها الله, وبما فطر الله سبحانه وتعالى خلقتها عليها؛ هل تصلح لهذا؟ لا تصلح لها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق, وحين يقول فلتسكت كل الأفواه ولتخرس كل العقول؛ لأن رسولنا صلى الله عليه وسلم يحدّث عن ربه, والله عز وجل هو العالم بأسرار البشر وبفطرة الخلق, يقول صلى الله عليه وسلم:"ما أفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة", ما أفلح (قوم) , حتى الأسرة لا تفلح, والقوم لا يفلحون, والمجتمعات لا تفلح, بل ستخسر,"ما أفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة".
هل هذا يعني تقليل شأن المرأة, هل هذا يعني عند المرأة التي قد غُيّرت فطرتها, هل يعني هذا كما هو عند الجاهلة من النساء, وعند من لعب الإعلام الفاسد في عقلها, هل يعني هذا أيتها الأخت أن المرأة لا قيمة لها؟
نعوذ بالله أن نقول هذا, بل كل القيمة لها, أليست هي التي حملت رضيعها في بطنها؟ أليست هي التي جرى دمها في دم ابنها؟ أليست هي التي ترضع الوليد وتتحنن عليها كما مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء قريش فإنهن أحنى صدر على ولد, الولد الطفل الرضيع هل يحتاج إلى صدر أمه؟ من الذي يستطيع أن يقوم بهذه المهمة؟ هل يستطيع آلاف الرجال أن يسدوا مكان امرأة في هذا الباب؟ الله عز وجل فطر المرأة أن تجلس في البيت وأن تخدم الأولاد وأن ترعى الزوج, إذ يرجع الزوج من العمل, من الشقاء الذي سماه الله شقاءً, يرجع فيحتاج إلى ثغر باسم, وإلى يد حانية, وإلى كلمة جميلة حتى يذهب عنه ما يجد, لكن إذا رجعت المرأة من العمل وهي تحتاج إلى ما يحتاج الرجل, فمن الذي يقوم بهذا الشأن؟
سيجد الرجل أيتها الأخت -وأنا أصارحكن في هذا- سيجد الرجل نفسه محتاجًا إلى امرأة أخرى, سيجلس قليلًا في البيت ثم سيخرج بعد ذلك إلى بيوت الخنا ومجالس العهر وإلى امرأة أخرى تضع يدها على رأسه وتتحنن عليه, فبعد ذلك ما الذي يحدث أيتها الأخت؟ ما الذي يحدث هو دمار البيت, لأنه لن تعطف عليه الأخرى عطف الصدق والمحبة, بل هي من أجل أن تأخذ شيئًا من ماله, وشيئًا من شهوته, وشيئًا من رجولته, ثم بعد ذلك تلفظه لفظ النواة, ترميه في الطريق لا تسأل عنه, وستضطر المرأة بعد ذلك أن تضرب على وجهها شاكيةً باكية: قد دُمّر البيت.
أيتها الأخت, إذا أردتِ أن تعرفي مصير الطعام الجميل, أين تذهبين إذا أردتِ أن تعرفي مصيره؟ تذهبين إلى المزبلة, حتى ترى المرأة هناك مصير الطعام. وإذا أردت أن تري مصير الشابات الغواني, مصير الشابات المتزينات اللواتي يخطفن البصر, وتحبين أن تقلديهن, إذا أردت أن تعرفي مصير أولئك النسوة فاذهبي إلى بيوت العجزة, فزوري امرأة كبيرة في هذا البلد من النساء الكافرات, امرأة كبيرة مجربة, سارت في الدنيا مشرّقة ومغربة, وطافت على كل الملذات, وقطفت من كل أصناف الحياة, اذهبي إليها واسأليها شيئًا عن تجربتها, قولي لها: ماذا تنصحينني أيتها العجوز الكبيرة, أنت أخذتِ من كل شيء, ولم تتركي لشهوتك شيئًا إلا وقد أعطيتيها إياه, فما هي النتيجة؟ أعطني نهاية التجربة.
ثم اذهبي إلى بيوت نسائنا كبار السن في بلادنا, المرأة في بلادنا إذا كبرت تسمى (ست) والأطفال يقولون لتلك الجدة (ستي) يعني يقولون لها (سيدتي) , يحترمونها, يبجلونها, تتعب في شبابها وترتاح في كبرها. والمرأة هنا لما تكون في أمس الحاجة إلى من يرعاها لا تجد يدًا حانية عليها.
هذا هو حال المرأة, لهذا الرجال يستخدمون المرأة كالبضاعة لجلب الكلاب عليها بلحمها وبشبابها, حتى إذا أخذوا ما يريدون لفظوها -كما قلنا- من غير مراعاة لشعورها أو اهتمام بقيمتها؛ لأنها هي التي فرّطت بقيمتها.
وأنا أعود وأقول أن الكثير من النساء مما أرى وأسمع من النساء المتدينات قد ترجلن, فقدن شيئًا من أنوثتهن, إما كثيرًا أو قليلًا, لأنهن أردن أن يجمعن بين الدين وبين شيء من عقائد وتصورات الجاهلية المعاصرة, نعم, هذا الذي يقع .. كثير من النساء تريد أن تأخذ شيئًا قليلًا من الدين, وشيئًا قليلًا من الجاهلية, ويسمونها كذبًا وزورًا بالأصالة والمعاصرة.
قالوا للمرأة: يجوز لك أن تلبسي كما يلبس الرجل, الرجل يلبس بنطال وأنت يجوز لك أن تلبسي البنطال, كيف يجوز هذا؟ قالوا: حشمة ومعاصرة! أنت توافقين الموديل وأنت توافقين الحياة العصرية ومع ذلك أنت تتسترين. كيف يكون هذا؟
إذا كان القول الصواب في أقوال العلماء أن صلاة الرجل بالبنطال المجسم أن صلاته مكروهة أقل ما يقال كراهة تحريمية, لماذا؟ لأن لبس ذلك اللباس إنما هو تجسيم لعورتها, بل هي تكون حينئذ مصدرًا من مصادر نظر الشيطان إليها, وأنا لا أقول هذا من عندي, فأنا عبدٌ لله مبلغٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان"نعم, إذا مشت رفع الشيطان على رأسها راية, استشرفها ودعا الناس يقول انظروا, إذا كان الله عز وجل قد قال: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) أي أنه لا يجوز للمرأة أن تُحسّن من مشيتها حتى ينظر الرجال إليها. كانت المرأة في الجاهلية تلبس شيئًا من الذهب أو شيئًا من الحلي في رجلها فإذا مرت بجانب الرجال ضربت بعقب قدمها لينظر الرجال إليها, إذا كان الله قد نهى عن مثل هذا حتى لا ينظر الرجال وهي مستّرة مجلببة, حتى لا ينظر الناس إليها لأن الشيطان قد استشرفها .. فماذا نقول عن تلك النساء؟ ماذا نقول عن تلك المرأة التي يُضحك على المتدينة يقال لك: أنت لا بأس أن تعملي شيئًا من الحضارة وشيئًا من الإسلام, قالوا هناك جلباب عصري! ما هو الجلباب العصري؟ ما هو هذا الخمار العصري؟ هو فاضح, هو مزين, لا يجوز للمرأة. يقول صلى الله عليه وسلم:"أيما امرأة مست طيبًا بعد العشاء فلا تقربن مسجدنا"لا يجوز لها أن تخرج من بيتها لتذهب إلى المسجد, إلى الصلاة, وقد وضعت شيئًا من الطيب, لأنه يكون حينئذ مصدرًا لنظر الرجال إليها, هذا هو ديننا. لماذا؟ لأنك أنت جوهرة, والجوهرة لا بد أن تصان, لأنها حين تُعرض كما قال أبو الأسود الدؤلي: تعدو الذئاب على من لا كلاب له .. الذئاب تعدو على من؟ على من لا كلاب له, وحين تخرج المرأة ولا راعي لها وهي متزينة متعطرة لينظر الرجال إليها فتعدو الكلاب عليها, وينظرون, وهي بجنونها وقلة عقلها تظن أنها جميلة, وأنها قد استرعت أنظار الرجال إليها.
وبعض المشايخ للأسف يحرصون على بث هذه الأفكار, لأنهم منهزمون أمام حضارة الشيطان التي يعيشون فيه, منهزمون, فبدل أن يحرصوا على النساء يعطون النساء الفتاوى: يجوز لك أن تخرجي متعطرة فرِحة بنفسك. المرأة لماذا تفرح بنفسها؟ أي تفرح بنظر الناس إليها أنها جميلة لينظر الناس إليها, يقول (اخرجي متعطرة فرحًا بنفسك) لا أدري ما هو تفسير هذه الكلمة عند المرأة, ولكني لا أفهم إلا حالة واحدة: تفرح المرأة التي تتعطر لتخرج لكثرة الناظرين إليها .. مثل الكلاب تطوف باللحمانِ. وقالوا لها البسي لباس جلباب عصري, والبسي البنطال, وهو مجسم لعورة المرأة, وهو مغرٍ, وقد نهى الله عز وجل عن كل أمر يُقرِّب إلى الفتنة ويكون ذريعة إلى المعصية.
أيتها المرأة ..
وفي خضم هذا كان الإسلامُ الحق ..
في هذا السيل الجارف من العهر والرذيلة, في هذا الطوفان الذي سرى في كل مكان فاجتاح كل خير في نسائنا وكل خير في بناتنا كانت نماذجُ نسائية .. قديمًا وحديثًا .. نماذج نسائية من أمهاتنا وأخواتنا .. نماذج نسائية عظيمة, ونماذج نساء مؤمنات قد رضين أن يربين أبناءهن على الشهادة, ويربين أبناءهن على الفضيلة والجهاد, وعلى دين الله سبحانه وتعالى.
أحدثكن عن تلك المرأة التي لم تبلغ العشرين عامًا, زوجها الذي قام بالعملية الجريئة البطولية المؤمنة عندما فجّر الباص اليهودي في وسط ...
أيتها الأخوات, اسمعن هذه الحكاية واعتبرن بها ..
امرأة, زوجة, لم تبلغ العشرين عامًا, زوجها هو الذي قام بالعملية الاستشهادية وفجر الباص في وسط القدس في حي يهودي, ولم يتعرف عليه أحد, ثم جاء الخبر للمرأة أن زوجك هو الذي قام بالعملية .. جاءت الشرطة اليهودية إليها, قالوا لها: تفضلي وانظري هل هو زوجك أم لا, فذهبت إليه وكان مغطى بقطعة قماش, وقد امتلأ جسمه بالدماء, فجاءت المرأة المؤمنة التي تربت على مائدة القرآن وعلى أحكام الإسلام .. وهو زوجها, ومنه الولد, كان لها ولد في حجرها لم يبلغ العام ..
فكشفت .. كشفت عن وجه زوجها, فنظرت إليه وقالت للضابط: نعم, إنه زوجي.
ولم تبكِ, بل مدّت يدها إلى صدر زوجها وفتحت جيب قميصه وأخرجت المصحف منه, ثم ضمت المصحف إلى صدرها, وخرجت وهي تقول: هنيئَا لك يا فلان الشهادة ..
امرأة تهنئ زوجها بالشهادة.
الحادثة الأخيرة ..
لعلكن قد سمعتن بحادثة اختطاف الطائرة الفرنسية التي قام بها شبابٌ في عمر الورود على أرض الجزائر .. هناك الشباب الذين يسجلون بدمائهم وعرقهم صفحات المجد لدين الله جل في علاه.
دخل أربعة شباب في عمر الزهور والورود, دخلوا وخطفوا الطائرة, فأرادت الحكومة أن تضغط على الشباب, فأحضرت لأحدهم أمه, وجعلت المرأة تقول لابنها: يا بني سلّم نفسك .. وقد أُجبرت على هذه الكلمات.
فماذا كان جواب الشاب المؤمن؟
قال لها: إن شاء الله يا أماه اللقاء في الجنة.
نعم, كان هذا جوابه فأبكاها .. قال لها يا أماه إن شاء الله لقاؤنا في الجنة.
الله أكبر, الله أكبر, الله أكبر .. نعم, إنها الجنة.
إن أولئك الشباب وتلك النساء ليحيون في الأمة مجدنا الغابر, وتاريخ آبائنا وأسلافنا.
نعم, إنهن يحيين مجد الخنساء, ولا أظن امرأة في هذه الدنيا مسلمة إلا وسمعت بحديث الخنساء, الخنساء خرجت بأولادها الأربعة إلى معركة القادسية, وقالت لهم: يا أبنائي ليأتيني خبر موتكم ولا يأتيني خبر جبنكم, إياكم والفرار, ليأتيني خبر جهادكم واستشهادكم ولا يأتيني خبر جبنكم وفراركم.