أيها الأحبة في الله! كان من نظرات أهل العلم في كتاب الله -سبحانه وتعالى-، أنهم لم يجدوا فيه ذكرًا للفظ (العقل) لفظًا مستقلًا، على الرغم أن محاولات الأوائل، ممن عُدوا من قادة البشر، أو من أصحاب النظر الثاقب؛ كان اهتمامهم الرئيس بقضايا العقل، ومسائل الذهن، حاول بعضهم من أجل أن يسد هذه الفجوة فيما ظن، في كتاب الله -عز وجل-، وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ بأن ذهب وألف أحاديث متعددة في فضل العقل، ونسب هذه الأحاديث إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ولكن النقاد والجهابذة، الذين أقامهم الله -عز وجل-؛ لتصفية العلائق الكاذبة، في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كشفوا هذه الزيوف، وقالوا فيما قالوا: أنه لا يوجد حديثٌ صحيح في فضل العقل، لا يوجد حديثٌ في فضل العقل؛ إنما هي أحاديث ملفقة مكذوبة، فأين إذًا مدار الفهم؟ نعم، جاءت بعض الآيات التي تمدح العاقلين، لكن لم يوجد مدحٌ قط للفظ العقل، ولا لذكره كلفظٍ مستقل في كتاب الله -عز وجل-، وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ولما بُحِث في الكتاب عن الأمر، الذي علق الله -عز وجل- عليه الفهم؛ وجدوا أنه معلقٌ بالقلب، والناس حين يقسمون كينونة الإنسان (ماهيته) ، فإنهم يجعلون المشاعر والوجدان (الحب والكره) للقلب، والرضا والغضب للقلب؛ وحين يقسمون أويجعلون مرتبة الفهم والإدراك والتمييز والحب؛ وهي المراتب الأولى التي يقال عنها مرتبة الإدراك، وهي التي تميز الإنسان في مسيرته، لإدراك ما خلق الله من معلوماتٍ ومن أشياء.
فيقولون:
إن أول مرتبة: هي مرتبة الإدراك.
والمرتبة الثانية: هي مرتبة الحب.
والمرتبة الثالثة: هي مرتبة التمييز.
والمرتبة الرابعة: هي مرتبة التركيز.
هذه خصائص الإنسان في فهمه للأمور؛ جعلوا هذه الأمور منوطةً بالعقل، ولكن القرآن الكريم يجعل القلب هو مناط الفهم، وكذلك سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ومن ذلك قوله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} ، ومن قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب) .
ومناط الفساد في الوجود معلقٌ بالجهل؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح، يقول: (اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علمٍ؛ فضلوا وأضلوا) ؛ فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الضلال والإضلال معلقٌ بالجهل. إذًا الفساد يبدأ بالجهل، والفساد معلقٌ بالقلب؛ إذًا مناط أو مكان الفساد،