فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 545

ومكان الجهل، ومكان العلم هو القلب؛ فلماذا هذا الأمر الذي امتاز به الوحي، عن بقية مدارك البشر؟ وهل لهذه المسألة أهمية، في دعوة الناس إلى الله؟ وفي إصلاح حياتهم؟ وفي إخراجهم من الظلمات إلى النور؟ هل لهذه أهمية من أجل إخراج الناس؛ من مسائل الضلال إلى مسائل الهدى، ومن مرتبة الغي إلى مرتبة الإبصار، ومن مرتبة الذلة إلى مرتبة العزة؛ هل لهذه القضية مسألة؟ هل لهذه القضية تعلقٌ بهذه المسائل؟

الجواب: ولا شك نعم. صحيحٌ أن بعض الناس ربما لا يرى فيها قضيةً عملية، إنما هي مسألةٌ علمية؛ أن يقف معلمٌ أو شيخ أو واعظ فيبين هذه المسألة؛ أن مكان الجهل هو القلب، و مكان العلم هو القلب، ليس هو العقل؛ ويقف عند هذه المسألة المجردة، باعتبارها أنها مسألة من المسائل، التي يتميز بها الوحي عن مدارك البشر، وعن إفرازاتهم؛ ولا يرى في هذه المسألة أهمية عملية؛ في بناء الفرد المسلم، وفي بناء الجماعة، وفي قضايا الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى-.

ولكن أيها الإخوة الأحبة! هذه من القضايا العظيمة، وأئمتنا أصابوا فيها الحليف الطويل، وكانت كتبٌ قد ألفت في هذه المسألة، وممن ألف فيها وأصاب، هو الإمام الجهبذ أحمد بن تيمية -عليه رحمة الله-؛ عندما جعل من أسس المسائل الفارقة، بين أهل السنة وبين الأغيار، في تعريف ماهية العقل؛ ما هو العقل؟ وهي مسألةٌ تسير في الناس هذه الأيام، الناس يقولون أنه لا يحصل، وكذلك الدعوات والجماعات والأفراد؛ إنها تقول، والكثير منها يقول: أنه لا يحصل، ولا تحصل النهضة، ولا يحصل الخروج من الواقع الآسن، المليء بالذلة إلى العزة؛ إلا بحصول مرتبة الإدراك العقلي.

وهنا يقتصرون على قضايا تسمية ما جاءت به الشريعة، يقولون أن الإسلام لا يصلح أن يُبدأ به إلا بعقيدةٍ عقلية؛ ولذلك ترى الإصابة الشديدة في قضية ما يسمى ب (إسلامية المعرفة) مثلًا، وهي قضيةٌ تشغل بال الكثير؛ من المشايخ، ومن الدعاة، ومن الوعاظ، ومن الذين يهتموا في حركة الأمة، وفي إصلاحها، وفي إخراجها مما هي فيه.

أيها الإخوة الأحبة! نعود إلى قضيتنا فنقول: إن الشارع الحكيم قد علق الصلاح بالقلب، وجعله هو مكان المعرفة؛ لأنه لا قيمة للفكر، ولا قيمة للمعارف المعنوية، ولا قيمة للعلوم الذهنية، ما لم تكن هذه تحصل حركة إرادية للإنسان، في سلوكه وعمله؛ فليس الإسلام مجموعة من المفاهيم، وليس الإسلام هو مجرد عقيدة، وليس الإسلام هو مجرد مفاهيم تلقن للأتباع، وتدرس على الألواح، وتقدم بطريقةٍ رياضيةٍ للناس؛ لكن هذا الدين هو دين قلب، أي دين إرادة؛ المسألة هي في إرادة الإنسان.

ولذلك لم يبحث القرآن الكريم فيما قاله أئمتنا، فيما قاله الأخيار، لم يتكلم القرآن الكريم في قضية الألوهية: أي ألوهية الرب ووحدانيته؛ لم يناقشها تلك المناقشة العقلية، التي يفعلها الناس في مجالسهم، ويكتبونها في كتبهم؛ لأنها ليست بتلك المسألة العظيمة، ولا بتلك القضية التي هي أساس مشكلة الإنسان، مشكلة الإنسان هو الهوى؛ قال الله -عز وجل-: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} ، فجعل القرآن الهدى مقابل الهوى، وكذلك قال الله -سبحانه وتعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت