خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى، فالهوى جعله الله مقابل الحق، وجعله مقابل الهدى.
إذًا غلطُ الإنسان، سقوطه، تخلفه عن مرتبة العبودية الضرورية في رضا الرب -سبحانه وتعالى-، إنما تقع بسبب الهوى، لا بسبب عدم المعرفة؛ فقد تقنع الرجل وتبين له بمسائل الحساب والرياضة؛ أعظم المسائل، وأجلى القضايا، ولكنه يرتكس بعدم إبصاره الطريق، وبعدم دخوله في العمل المطلوب، الذي أمره الله -عز وجل- به؛ لذلك: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى} ، كيف تحصل الذكرى؟ انتبهوا لهذه الكلمة! قال عن القرآن أنه ذكرى، والتذكير لشيءٍ معلوم؛ فإذًا الإنسان ليس بحاجةٍ إلى قضيةٍ تعليميةٍ جديدة، ولكن بعث الأنبياء من أجل تحصيل الذكرى.
هذه الذكرى التي يعرفها الإنسان بفطرته، ولكنها احتاجت إلى تثويرٍ، بذكرى لا بتعليمٍ جديد؛ فالقرآن ذكرى للإنسان، بأن يبصر الفطرة التي غيرها، لا بالجهل فقط، ولا بعدم الإدراك، ولكنه بحاجةٍ إلى الذكرى؛ التي تحصل بها الإرادة، والتي تحرك الإنسان بعيدًا عن الهوى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} ؛ هذا القلب لمن كان له قلب، هذا القلب أيها الأحبة! ضرب الله -عز وجل- به مثلًا عظيمًا، ومثلًا جليلًا، هذا القلب حين لا يمتلئ بالران، ولا يرتكس لا بالجهل؛ ولكنه يرتكس بالهوى، يرتكس في هواه لا في جهله، ولكنه يرتكس في هواه.
هذا القلب حين يخرج من الهوى، يقول الله -عز وجل- فيه: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} ، ماذا قال أهل العلم في هذه الآية الجليلة العظيمة؟ هذا الصدر هو المشكاة، والمشكاة: الطاقة في البيت، التي لا تنفذ إلى الخارج، والتي يوضع فيها السُرُج، كانوا يضعون فيها السرج لتنوير البيت.
فمثل نور الله -عز وجل- في قلب المؤمن، {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} : صدر المؤمن، {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} : ما هو هذا المصباح؟ هو قلب المؤمن؛ صدر المؤمن هو المشكاة، والمصباح هو قلبه، {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ} ، هذا القلب له جدران، إما أن تتكدر فتسود، وإما أن تلمع فتبصر الحقائق كما هي: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} ، هنا حديثٌ عن القلب الذي لم تخالفه الأهواء، قضيةٌ تتعلق بالقلب.
{مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} ، بم يوقد هذا؟ {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} ، ما معنى هذه الآية؟ قال أهل العلم: أن المؤمن أو الإنسان الذي لم تخالطه الأهواء، يقدر الله -عز وجل- له أن يهتدي إلى الحق، ولو لم يأتِ إليه الوحي، فهو يبصر الحقائق؛ لنوره، وإن لم يأتِ إليه النور الخارجي، أي نور الوحي؛ فـ {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} ، أي ولم يأتِ إليه الوحي، فهو منيرٌ مضيءٌ مشرقٌ، لا