وسخ فيه ولا قذر: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} ، ولكن لرحمة الله جمع له النورين؛ نور الوحي، ونور القلب: {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} .
إذًا القلب هذا هو مناط المعرفة، التي تتحقق بها حركة الإنسان، وتحرير إرادته من الأهواء والشهوات؛ للوصول به إلى مقصد خلقه، وهو تحقيق العبودية لرب العالمين. فأي علمٍ لا يحقق هذا المقصد، لا قيمة له عند الله -سبحانه وتعالى-، وأي معرفةٍ لا يزداد بها المرء طاعةً لربه، وإقبالًا على العبودية؛ فهي لا قيمة لها، بل ربما يرتكس فيها، فيُؤوِّل العلم إلى صالحه وإلى هواه، فيصبح العلم طامةً عليه.
فالذكرى لا تحصل إلى بالقلب، قال أهل العلم: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} ؛ أي هذا القلب المخصوص، وليس أي قلب؛ {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} . القلب الذي يحصل فيه النور، هو القلب الذي لم يتسخ؛ فقال: لم أتى الله -عز وجل- بلفظ التخيير (أو) ؟ ولم يأتِ الله -سبحانه وتعالى- بلفظ واو الجمع؟ فهو بحاجة إلى القلب، وبحاجة إلى السمع، وبحاجة إلى عدم وجود المانع: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} ؛ الشهيد هنا ليس بمعنى الحضور، ولكنه بمعنى الإقرار؛ فالشهادة تأتي بمعنى الحضور: شهدت الشيء أي حضرته، وتأتي بمعنى الإقرار: كما يقول الرجل الآخر: شهدت أن لك علي مئة دينار؛ فهذه ليست حضور، لكنها إقرار منه. فهو أتِيَ هنا أيها الأحبة بلفظ التخيير، لماذا؟ قال: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} .
لمن لم يكن له هذا القلب؛ فكيف يجليه؟ كيف ينظفه؟ كيف يصلحه في عبادته لرب العالمين؟ لا بد أن يُلقي سمعه إلقاءً به يحصل الإقرار، وليس بمجرد العلم. أرأيتم أيها الأحبة! لا تحصل الذكرى وهي مقصد القرآن، إلا بالشهادة، وليس بإلقاء السمع فقط، لا بد من أن يحصل مع هذا السمع الشهادة؛ وهو أن يتلقى ما أمره الله -عز وجل- به، على جهة الإقرار به، والتعامل معه، على أنه علمٌ رباني، ما أوتي إلا من أجل أن يمتثله.
فصلاح الناس أيها الأحبة! لا بد لهم أولًا من العلم، هذا مما لا شك فيه؛ ولا يمكن أن تخرج الأمة من فسادها، ومن ذلتها، ومن ارتكاستها، لا يمكن إلا بحصول العلم؛ الذي يحصل به ليس المعرفة، العلم الذي يحصل به الهدى، هذا العلم الذي يكون مداره، ويكون مكانه هو القلب، الذي تتحقق فيه الذكرى.
ولذلك صار هناك على مدار التاريخ منذ الأزل، يقولون أن للخطاب طريقتين: الطريقة الاولى، التي يقولون عنها (المنطقية) ، أو التي تسمى ببعض الإحسان بـ (البرهانية) ؛ وهي التي ترتب المعلومات على طريقة الرياضيات (1+1=2) ، معلومة تحصل في العقل، معلومة تستقر في الذهن، وليس لها أي دورٍ في إرادة الإنسان؛ لأن مكان الإرادة إنما هو القلب؛ الإرادة تحصل في القلب، لا تحصل في العقل، قالوا: إن هذه الطريقة الأولى هي الطريقة (البرهانية) ، هذه الطريقة هي طريقة ترتيب المعلومات، على طريقة الرياضيات والحساب؛ لتحصل فيها المعلومة، على طريقة العلم الصافي المجرد.