وهناك الطريقة الثانية: وهي الطريقة (الخطابية) ، أو التي يقال لها (الإنشائية) ؛ وهي طريقة الوعاظ، وطريقة السياسيين في تثوير الناس، حتى إنهم قالوا فيما قالوا: وهي طريقة الأنبياء، وقالوا: هذه طريقةٌ تحصل لعوام الناس، وتحصل لغمارهم، ويتأثر بها البسطاء.
أما هم؟ فأهل العقل والفكر، أما هم؟ فأهل المنطق والتفكير، الذي لا يهتم بوجدان الإنسان، من حبٍ وكره، ولا بالرضا والغضب، ولا تعلق بضلال الناس بسبب الهوى؛ إنما بسبب عدم العلم، فإذا تحقق العلم المجرد، فقد حصلت هداية الإنسان. والصحيح في هذا كله، هي طريقة القرآن أيها الأحبة! الطريقة التي فيها الزجر إن اقترفت المعصية؛ حين يأتي القرآن الكريم ويتحدث عن جهنم، من أجل أن يردع هذا القارئ، هذا التالي لكتاب الله، من اقتراف المعصية.
حين يأتي القرآن ويتحدث عن الجنة، ويرغبك بفطرةٍ سائقةٍ بقوةٍ إلى الطاعة؛ فيكشف لك ما أعد الله لك في الجنان مما ذلك؟ يرغبك لأنه وهو العالم فيك بما تتحرك؛ رغبك أن تُقبل على الطاعة بالحور العين، ورغبك بذكر الأنهار؛ ذكر أنهار الخمر، وأنهار العسل، وأنهار المياة، وأنهار اللبن. زجرك عن المعصية؛ بذكر النيران وشدة حرقها، وشدة إيذائها، رغبك بهذا؛ لأنه لا تحصل حركة الإنسان إلا بهذه المواعظ.
وأما تجريد المفاهيم عن هذا، لمجرد حصول المعلومات في العقل فقط؛ فهي طريقةٌ تكثر معلومات الرأس حتى يتبخر، ولكنها لا تحصل بها الإرادة، إلى صلاة الفجر جماعة؛ أي قيمةٍ للعلوم العقلية، إذا لم تدفع الإنسان، إلى أن يخرج من فراش نومه؛ ليتوضأ ويصلي صلاة الفجر جماعة؟ أي قيمةٍ لعلومه؟ أي قيمةٍ لعلومه، إذا لم يعلم أن هذا الدين، هو دين مواجهة؟ العلم في العقل؛ يريدون به أن يحصل الحوار!
انظروا إلى نتائج ما يريدون أن تحصل به طريقة البرهان والمنطق! يريدون أن يبقى الحوار مع الخصوم، لا على أساس المواجهة، ولكن على أساس المنظر الواحد؛ المسلم منظره كمنظر الكافر، يجتمع المسلم مع الكافر في جلسةٍ فكريةٍ عقلية، يجلس كل واحدٍ منهما على الطاولة، هذا يخرج ورقته وهذا يخرج ورقته؛ ليتم الحوار، الحوار الموضوعي؛ الذي لا يحصل به الصدام، ولا يحصل به المناكفة، الحوار الذي يتم به تعريف كل فكرةٍ إلى الآخر، مع قضيةٍ أخرى، تختلط في هذا الجو القبيح؛ هي (نسبية الحق) .
كيف هي نسبية الحق؟ وهو أن يعترف كل واحدٍ للآخر، أنه يرى المسألة من جهةٍ أخرى؛ فكما قال بعضهم: هي كالكرة، نصفها أبيض ونصفها أسود؛ فهذا الذي في الجهة الأخرى رأى نصفها الأبيض، اعترف أن الآخر لا يراها بيضاء، إنما يراها سوداء (نسبية الحق) ؛ ولذلك القرآن لم يقل فقط عن نفسه أنه علم، أن يحصل فيه العلم؛ هذا الإسلام لا يسمى فكرًا ولا يسمى عقلًا، هذا القرآن وهذا الإسلام يسمى دينًا.