فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 545

و الدين ليس هو العلم؛ الدين: هو الخضوع، هو الامتثال، هو الطاعة، التي تصبح حركةً في الدنيا؛ ليصبح فيها الصدام، ليصبح فيها الحرب، ليصبح فيها التجاذب بين رجلٍ يستفزه الشيطان؛ كما قال الله: {تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} ، يشتد غليان النفس، الشيطان يؤزهم، الأزّ: هو غليان الماء، ارتفاع الماء لشدة الغليان (يؤزهم) ؛ والحق في داخلك، يؤزك إلى الحقد على الباطل، إلى الحقد على الشر، الحقد حتى يتم الصدام؛ وهذا يمثل دينًا، لا صدامًا فكريًا؛ كلٌ يرمي ورقته إلى الآخر، وكلٌ يناظر الآخر؛ لكنه صدامٌ يحصل فيه الدم، وتحصل فيه الحرب، ويحصل فيه القتال.

لماذا؟ لأن مكان كل علمٍ؛ إنما هو القلب، هو الحب، هو الكره، هو الرضا، هو الغضب. العلم الذي يحصل به حركة الإنسان؛ فيتفاعل فيه، وفي عمله، في أخذه، في رضاه؛ إنما هو متفاعلٌ مع هذا العلم، وذاك متفاعل مع الشر، هذا يتفاعل من أجل تحقيق الرضا الإلهي، وهذا يتفاعل من أجل إرضاء شيطانه؛ فيحصل ما قدر الله في خلقه من الصدام.

يريدون أن يحولوا الإسلام إلى فكرة، تحتمل هذه الفكرة وجود المخالف؛ لأنه رأى المسألة من وجهٍ آخر -انقطع الصوت- {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} ، ليحصل الخصام، الإسلام ليس فكرة لتقابل الآخر، الإسلام حقٌ جاء ليخاصم الآخر، جاء ليقاتل الآخر، جاء ليرفض الآخر، جاء ليقول له: أنت إن لم تأتِ إلي فأنت كافر، إن لم تأتِ إلي فأنت عدُوي، إن لم تأتِ إلي فأنت في جهنم.

أي دينٍ هذا الذي يدخل الناس الجنة، وهم ليسوا معه على الإسلام؟ فكرة! فكرة يعايشها الناس، وعقيدة تختمر في العقول، ولا تحرك شيئًا من الأبدان؛ هذا ليس بالدين المطلوب، هو دينٌ بارد، هو فكرة كفكرة الفلاسفة (المشائين) ، سموا ب (المشائين) أيها الأحبة! لأنهم كانوا يمشون ويتناظرون، يمشي هذا مع خصمه ويتناظر هو وإياه، ثم تنتهي المسألة بقول الواحد للآخر: إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية؛ أنت نظرت إلى الكرة من جهةٍ بيضاء، فاعذرني فأنا أراها من جهةٍ سوداء، ماذا وقع؟!

دائمًا أيها الأحبة! دائما هذا الوجدان، هو أساس حركة الإنسان، هذا القلب (الحب والبغض) ؛ هو تحقيق العبودية لله -عز وجل-. لكن انظروا إلى شاب قليلٍ العلم، لكن يتفاعل مع هذا العلم؛ وجدانًا حبًا وبغضًا، هذا إنسانٌ محتقر، لدى من؟ لدى أولئك الجهابذة، الذين يسمون أنفسهم بالمفكرين. هؤلاء جماعة الفكر، جماعة العقل! فإذا نظروا إلى هؤلاء الشباب الذين يطيلون لحاهم، ويصادمون الغير مصادمة؛ قالوا: هؤلاء دهماء، هؤلاء غوغاء، هؤلاء جهلة، هؤلاء بقر، مجموعة من البشر لا قيمة لهم؛ أما هم فهم أهل الفكر! أهل الفكر!

أي موازنة يقولون؟ أي موازنة حضارية؟ وبئست هذه الكلمة، التي صارت تستخدم على باطلٍ أكثر من استخدام أهل الحق لها؛ يقولون أي موازنةٍ حضارية؟ بين هذا المنظر الذي جلس فيه الجميع على الكراسي الأنيقة، ولبسوا الألبسة الجميلة، وجلسوا يتناظرون، مناظرة المفكرين ومناظرة العقلاء، وكل واحدٍ يخرج فكرته، ويتكلم بما شاء، ويسمونها المعارك! وبين أولئك؛ انظر إلى هؤلاء، إلى مناظرهم، شعثًا غبرًا، لا يفهمون إلا لغة الدم ولغة الضرب، لا يتحروكون؛ انظر! إلى هؤلاء وإلى هؤلاء!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت