أما الصورة الأولى: فهي الصورة الحضارية! صورة حضارة الثقافة، والفكر، والمناظرة؛ وهذه الصورة الأخرى: هي صورة الجهالة، صورة الأغبياء؛ ماذا عندهم من العلم؟ هذا رجلٌ يحفظ المعلقات، وهذا رجلٌ يحفظ المنطق، وهذا رجلٌ يتناظر في أكبر المسائل؛ أما هؤلاء، فانظر إليهم؛ فعامة مسائلهم (ك ف ر، ذ ب ح) ، وهكذا فقط، لا يفهمون إلا هذه الحروف الستة: (كفر، ذبح، سيطر) ؛ ومع ذلك فأرض الواقع تنبؤنا أيها الأحبة! على أنهم لم يسيروا أفكارهم إلا بسلطان القوة، وإلا بسلطان السيطرة!
علينا أن نفهم، أن هذا الدين، إنما هو دين أولئك الذين يتفاعلون معه؛ يُسْلم الرجل منهم ويخرج، وقد عادى أهله، وخرج من بيئته، وعادى والده، وعادى أباه، وقاتل مجتمعه، وخرج وهو يعبر عن وجدان، وصل إلى درجة اتهامه بالجنون، وإلى درجة اتهامه بالخبل، وإلى درجة اتهامه بعدم الثقافة؛ إنه مجنون لماذا؟ لأنه يتفاعل مع هذه الفكرة، كأنها صارت هو، وهي صارت هو؛ ملتصقة به.
بين رجلٍ آخر، تعال إلى الإسلام الحضاري، وهو إسلام حرب الثقافة، وحرب العقول، وحرب الفكر؛ ولكنه يقول الله -عز وجل- عن نتائج الأمر يوم القيامة، يقول: {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} ؛ المتدين أيها الأحبة! هو الذي يعيش الإسلام، بحبٍ وكره، برضا وغضب، بحقدٍ على ما أمر الله أن يحقد عليه؛ هذا حركة، هذه حركة، هذا عمل، ليس هو إسلامٌ آخر؛ يستطيع الواحد منهم أن يؤلف المجلدات، ويعجز أن يخرج إلى صلاة الفجر، أو أن يقاتل الآخر، أو أن يصادم الآخر، يجبن عند اللقاء، بخيلٌ عند العطاء.
هذا ليس هو الإسلام الذي دعا إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فليس في الإسلام عقل، ليس في الإسلام عقل، في الإسلام عقلاء؛ ولكن ليس هناك شيءٌ اسمه العقل المجرد الجامد، الذي يغذى بالمعلومات، فيبقى عظيمًا كقبة المسجد؛ يريدون منا عقولًا كقبة المسجد، وأرجلًا في الحركة مثل أعواد الكبريت! تصور أن رجلًا رأسه كقبة المسجد عظمة، وأرجله مثل عيدان الكبريت، فهو دائمًا مجفيًا على رأسه، لا يتحرك إلى الإسلام، ولا مع الإسلام!
أيها الإخوة الأحبة! ما يقال في هذا العصر، قد قيل على مدار تاريخ الأنبياء؛ الأنبياء، لماذا كان عامة أتباعهم هم الفقراء؟ لماذا قال الملأ من قريش: (أخرج هؤلاء الضعفاء) ؟ لأنهم يريدون أن يقلبوها إلى مناظرةٍ فكرية، لاحتمال وجود الآخر؛ أما هذا المسكين، هذا الضعيف؛ هو لا يفهم هذا، إنما يفهم إسلامًا حقيقيًا، يتفاعل معه، ومع هؤلاء المجانين؛ لفظ المجنون، قد أطلق على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ومن إحدى كذلك صور الإطلاقات أن فارس، وفارس هي فارس، فارس: هم القوم الذين يهمهم قوة العقل، والإدراك، وقوة اللسان؛ جماعة مثقفة، لما رأوا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا: ديوانا، أي مجانين مجانين، ديوانا ديوانا، مجانين مجانين؛ هؤلاء هم البسطاء، هم الذين يصنعون التاريخ، وهم الذين يحققون الإسلام على أرض الواقع؛ هؤلاء الضعفاء هم الذين يصنعون ما أحب الله، هم الذين يحققون الإسلام في الأرض.