فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 545

أما أولئك، فهم لا يحققون الإسلام في ذواتهم، يتكلمون عن أعظم القضايا في الإسلام؛ وهو لا يستطيع أن يحقق الإسلام في ابنته، ولا أن يحقق الإسلام في زوجته، لا يفهمون التدين، لا يفهمون الدين تدينًا وخضوعًا، إنما يفهمونه فكرة، يفهمونه أفكار؛ فهم بلا شك عقلاء، وهم بمفهموهم بلا شك مفكرون، وهم بلا شك عقولهم كبيرة، ولكن عقولهم تعجز أن يعلم ابنه الفاتحة، أو يعلم زوجته حديثَا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بل يرى هذا من تمام التخلف، وهذا لا قيمة لها.

إنما عليها، وعلى زوجته، وعلى ابنته، وعلى ابنه، أن يتمرس في علوم الآخرين؛ ليصبح هذا الإنسان، الذي يلبس البدلة الجميلة، ويتحرك في الإسلام فكرة، أفكارًا تلوكها ألسنتهم، دون أن يتحقق دينًا، في حياتهم على مدار التاريخ، كان احتقارٌ لأتباع الأنبياء، كان احتقارٌ لأولئك الذين أصروا أن يخضعوا لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، دون اهتمامٍ لما يقال من مسائل العقل؛ اتهم أهل الحديث بأنهم جامدون؛ يأخذون أهل الحديث، ويعملون به، وهؤلاء ممدوحون عند الله -عز وجل-.

أما أولئك؛ فهم أهل العقول، الفلاسفة اتهموا أهل التدين بأنهم مجانين، حتى وصل فيهم الأمر أن يقولوا عن أولئك المتدينين، الذين لا يستطيع الواحد منهم، أن يركب -ما يقال له بالمنطق الصوري- أن يركب مسألة منطقية، يقولون عنهم: (هؤلاء ليسوا بمسلمين) ، سلبوا منهم الإسلام؛ لأنهم عجزوا كما يقولوا؛ لأن هؤلاء الجهلة عجزوا أن يستدلوا على الحقائق بقلوبهم، التي يحصل بها العباد، يحصل بها قيام الليل.

فهذا الإنسان البسيط، يقوم الليل ويبكي أمام الله، والله -عز وجل- يناديه؛ هو لا ينادي ذاك الرجل، يقول (ألا من مستغفرٍ فأغفر له؟) ؛ يناديه الرب؛ العلاقة بينه وبين الله موصولة إذا دعاه، إنما هو يدعو ربه، والله -عز وجل- يقول: (ادعوني أستجب لكم) . هؤلاء الذين يحققون الأعمال، التي يحصل بها الصلة مع الله، هؤلاء على مدار التاريخ، يحتقرون من قبل أهل العقول، من قبل الذين يريدون أن يجعلوها ألفاظًا تتداول بين الناس، وأفكارًا يحصل بها المناظرة.

أيها الإخوة! تستطيعون بكل وضوح، أن تروا هذه الصور الماثلة، بين المسلم المتدين، والذي يزعم من قبل الآخرين أنه جاهل، وبين الرجل المفكر الآخر؛ الذي يتعامل مع الإسلام، أفكارًا وحوارًا مع الحضارات، وحوارًا بين الأديان، وحوارًا بين المذاهب؛ هذه سنةٌ ستجري في يومنا هذا، كما جرت في الأوائل إلى يوم القيامة.

نسأله -سبحانه وتعالى- أن يبصرنا بالحق، وأن ينور قلوبنا، وأن يهدينا سواء السبيل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} .

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.

اللهم كفر عنا سيئاتنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت