فهرس الكتاب

الصفحة 503 من 545

منذ اليوم الأول لسجني الأول (ثلاث سنوات) وأنا أسجل خواطري ورؤاي وكذلك ما أراه بصراُ وأذكره من مواقف على صورة"صيد الخاطر"سميته"شذرات من الفكر والحياة"ملأت في ذلك ثلاثة دفاتر.

كان مما يشغلني منذ زمن مفهوم"العقل"، وهو من المسائل التي لها خصوصية قرآنية، حيث لم يذكر في القرآن ككائن مستقل، بل ذكر كملكة فعل (( يعقلون ) )فكتبت بحثاً سميته الفرق بين"العقل الشعري والعقل الجهادي"وذلك إهتداءً بما قاله تعالى في سورة الشعراء (( والشعراء يتبعهم الغاوون ... ) ). وسجلت في تلك الأيام ذكريات لم أتمها سميتها -وفي بلمارش كانت لنا أيام-.

وكان آخر ما كتبته هناك (( الأربعون الجياد لأهل التوحيد والجهاد ) )وهو الوحيد الذي قدّر الله تعالى له أن يصدر إلى الإخوة.

كانت الحالة التي عشتها في سجني الأول هي التي ساعدتني على هذا الإنتاج، إذ كتبت مع هذه الكتب عشرات القصائد نشر منها قصيدتي في رثاء الشيخ أحمد ياسين، وقصيدة في الشوق لفلسطين، وأخرى تربوية وكثير منها تعبيرية نفسية، والأخرى أسررت بها للمقصود منها وهي زوجتي حفظها الله ورعاها، وفاءً لها على صبرها وثباتها، وكذلك تعليمها لي الكثير مما أحتاجه في محنتي.

كنا في تلك المرحلة مع إخواني في زنازين إنفرادية نمكث فيها أكثر من ثلاث وعشرين ساعة في الليل والنهار حيث لا يرى المرء أحداً بل يكون خالياً متفرداً.

كان هذا السجن -ثلاث سنوات- بلا تهمة ولا محاكمة ولا يجوز لك كذلك أن تطلع على الأدلة التي تزعم الحكومة أنك مسجون بسببها، فقد أقر"برلمانهم"قانوناً يجيز للدولة أن تسجن أي غريب أجنبي لا يملك الجنسية البريطانية إلى أمد غير محدود بأدلة سرية.

هذا القانون يعد فعلاً تجديدياً لأكلة الآلهة الباطلة كما سميته، إذ أننا نعلم ما كان بعض المشركين يفعله قديماً في تعبدهم الشركي، فكانوا يصنعون أصناماً من تمر ثم يعبدونها، فإذا جاعوا أكلوها، وكذلك فعلت الحكومة الإنجليزية، فهي التي تزعم أنها تحترم الإنسان بغض النظر عن دينه ولونه ولغته وجنسيته، فها هي الآن تأكل إلهها، وتأتي بهذا القانون الذي يفرق بين إنسان وإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت