إن الناس يقولون:"اعملوا"، هكذا كثير من الناس تقول له: هنا معركة، هنا فئة قليلة تقاتل، هنا فئة تريد أن تجاهد في سبيل الله، فهو لا يهتم لقلتها وهو ينتظر المعارك الكبرى أو يقول لك كما يقول بعضهم:"يا أخي اذهب فقاتل فإذا حكمتنا بالإسلام سنكون أول المحكومين"، أولئك رعاع الناس، الهمج الرعاع الذين يتبعون كل ناعق!. وأما صفوة أهل الحق وصفوة أهل الدين فهم الذين يَشرعون في المعركة الكبرى التي يتشكَّل منها الفرقان، وهي معركة كما رأيتم قليلة صغيرة لفئة أهل الإيمان، ولكنها تكون بداية لإحقاق الحق. وأولئك القوم الذين يتحقق فيهم نصر المعركة الصغيرة هم خيرة الخلق يوم ذاك، كما أن أهل بدر هم خيرة الخلق، (لعلّ اطلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم) ، جبريل سأل رسول الله ? قال له: (ماذا تعدُّون أهل بدر الذين شهدوا؟ قال: هم خيرة أهلنا، قال: كذلك الملائكة الذين شهدوا بدرًا هم خيرة الملائكة عندنا) .
وهي المعركة الصغرى، ولكن لما تتحقق المعارك الكبرى يأتي فيها كل الناس كما دخل الناس مكة، ودخلوها بكثرة عظيمة ودخلتها القبائل وجاء الناس، والذي حقّق النصر الأول واللبنة الأولى {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} هم فئة قليلة قد لا ينتشر أمرهم في الصحف وقد لا يرتفع صورهم ومناراتهم وأسماؤهم بين الناس، ولكنها حكمة الله -سبحانه وتعالى- في إعداد الفئة المؤمنة في بيئة مغلقة في أمر لا يهتم له البشر؛ لأنه ليس من اهتمام البشر، ليس هو حدثًا عالميًا، ليس هو مباراة كرة قدم يحضرها مئات الملايين في العالم، وليست هي موسيقى يجتمع لها الملايين، هي معركة فيها الإيمان محط نظر الله -سبحانه وتعالى- ومحط نظر الصادقين.
فالمعركة ستقع في الجوانب ستقع في الجوانب، ولكن نهايتها هو دمار اليهود، هو في بلاد الشام كما قال النبي ? عن عسكر بلاد الشام وعن جند بلاد الشام أو عند جند اليمن، وكذلك مدحه ? ستقع معارك أهل الإسلام في الجوانب لتنضم وتكثر لتقع {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} ، عند المسجد الذي افتتحت السورة شأنه بقوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} ، وانظروا إلى آخر السورة: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا} أي اليهود {وُجُوهَكُمْ} يا أهل الإسلام، {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا تتبيرا} ؛ أي مسجد ما افتتح الله ذكره في السورة وهو المسجد الأقصى.
اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا وأصلحنا ووفقنا لعمل الصالحات وترك المنكرات، واجعلنا من أهل الجهاد والإيمان والتقوى والصلاح. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، في برِّك و بحرك و جوّك، اللهم أيدهم بتأييدك وانصرهم بنصرك، اللهم أنزل عليهم شآبيب رحمتك، واغفر لنا ذنوبنا ووفقنا للتوبة والإنابة، واجعلنا من أهل الشهادة، يا أرحم الراحمين.