"انتصر المسلمون"، لا بد أن يكون فيها معنى نُصرة الإيمان، فلو كانت المعركة بين قوَّتين وبين فئتين، المنازعة على من هو أكثر مالًا ومن أكثر قوة، لما كان هناك معنى لنصر الإيمان، ولما كان هناك معنى قط لنصرة الله نصرة خاصة وتأييدًا مباركًا لأهل الإيمان. لو أنه جاء زعيم فقوَّى قوته بغير الإيمان وارتفع شأنه بقوة ثم انتصر في معركة، فهل سيذكر الناس نصر الله للمؤمنين؟ وهل سيكون هناك المعنى الذي حصل في فتح مكة؟ عندما علموا أنهم من ضعف قد نصرهم الله، فدخل رسول الله ? وهو يقول: (وهزم الأحزاب وحده) .
هذا أقوله من أجل أن تعلم أنه سيقع النصر الإلهي، لكن متى؟ عندما يقول أهل الإيمان متى نصر الله؟ عندما يجأرون إلى الله ويشتكون إليه، ويشتد البلاء، عندما يرتفع أهل الكفر فيغرُّهم كفرهم فيفعلون كما سيفعل يأجوج ومأجوج، يأجوج ومأجوج بعد أن يفرغوا من أهل الأرض -كما في الحديث الصحيح- يرفعون سهامهم إلى السماء ويقولون: قد فرغنا من أهل الأرض فهيا نقتل أهل السماء فيضربون سهامهم إلى السماء فيأمر الله -سبحانه وتعالى- الملائكة أن يغمسوا سهامهم بالدماء، فتنزل وهي مبلولة بالدماء، فيقولون: قد قتلنا أهل السماء، عندما يقع هذا الأمر {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا} ، حتى يصل أهل الإسلام إلى درجة البلاء التي لو أعقبها نصر لقالوا: نعم، إنما هو نصر الله وليس هو نصر أحد من البشر، وليست هي قوة أحد من الناس، لقد وقع النصر الإلهي كما وقع في بدر يوم الفرقان.
ولكني أنبه على نقطة مهمة؛ ليس معنى هذا أن تحلموا بالمعارك العالمية لنُسمِّي هذه المعركة حين تقع نصرًا للإسلام؛ إن بعض الناس يقع في وهم كبير إذ لا يتصوّرون نصر الله للإسلام إلا في معركة شاملة تملأ الوجود، كالحرب الكونية التي وقعت بين الكفار، وحين يقع النصر يقول نعم هذا نصر للإسلام، نقول: ليس هذا هو شرط نصر الإسلام، وقد ذكرنا كثيرًا -كما في الخطبة الفائتة- إلى أن المعركة وإن كان عددها عشرة أو عشرون أو مائة أو مائتين كما وقع في معركة بدر في جزء ناءٍ من العالم ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلًا قاتلوا ألف رجل فانتصروا عليهم في معكرة كان مدار الحرب على الإيمان، فئة تريد الله وفئة تريد الشيطان، فسمى الله المعركة معركة الفرقان.
فلا تظنوا حين ينتصر أهل الإسلام أن تشترطوا أن تروا أمرًا كونيًا ومعركة كونية كبيرة، بل انظروا إلى نوع المعركة ومدار المعركة بين الفئتين، فقد يكون النصر الإلهي يبدأ يوم الفرقان، بدر لم يرجع رسول الله ? إلى مكة فيها، ما رجع وما فتح مكة، بل كانت بدر في السنة الثانية للهجرة وفتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، ست سنوات وقعت فيها حروب طويلة، ومع ذلك هي فتح كبير وهي نصر كبير وهي يوم الفرقان، فقد تبدأ المعركة بنصر أهل الإسلام بفئة قليلة ولا ينظر الناس إليها ولكنها تكون مشروعًا للنصر الأعظم لتحقيق {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} .