فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 545

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله؛ بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين؛ وتركنا رسول الله ? على المحجة البيضاء، والطريق الواضح، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتنكبها إلا ضال، أما بعد:

من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله؛ فقد ضل ضلالًا بعيدًا.

أيها الإخوة! كان من قدر الله -عز وجل- الحكيم، أن الله -سبحانه وتعالى- جعل في البشر مسيئًا ومطيعًا، جعل فيهم وليًا له، وجعل فيهم عدوًا له، وهذا من تمام حكمته، فإن الملائكة لما عرض الله -عز وجل- عليهم أمْر خلْق آدم: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ؛ وقد وقع في الخلق ما قالت الملائكة؛ من وجود أقوامٍ لا يشكرون الله، ويعصونه، ويسفكون الدماء.

ولكن قوله -سبحانه وتعالى-: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ، إنما هو لوجود الصراع؛ ما بين المؤمنين وما بين الكافرين، ما بين الذين يسفكون الدماء بمعصية، وما بين الذين يسفكون الدماء بطاعة، ما بين الذين يريقون الدماء؛ من أجل شهواتهم، وتبعًا لأوامر شياطينهم، وما بين الذين يسفكون الدماء؛ تبعًا واقتداءً بأمر الله -سبحانه وتعالى-، وابتغاء مرضاته؛ فوجود الثلة المؤمنة، هي مقصد خلق الله -سبحانه وتعالى-، وهي ثلةٌ قليلة، ليست بالثلة كثيرة على مدار التاريخ.

لو أخذنا سيرة الأنبياء جميعًا، لوجدنا أنهم الأقل وأنهم الأضعف! وإن كثيرًا من أخبار القرآن الكريم، عن أقوامٍ امتثلوا أمر الله -سبحانه وتعالى-، لم تكن نهاية أمرهم العزة، ولم تكن نهاية أمرهم السؤدد والنصر! بل كان نهاية أمرهم العذاب والحرق، والسجن والطرد، والذبح والإفناء، هكذا كانت نهاية أمر الكثير، ممن أطاعوا الله -سبحانه وتعالى-.

ولذلك التاريخ الإنساني، منذ آدم -عليه السلام- إلى يومنا هذا؛ إنما شعاره سفكُ الدماء، شعاره الذبح؛ فإنه ما كاد آدم النبي الرسول ينزل إلى الأرض، حتى قتل أحد أبنائه الابن الآخر! هكذا افتُتحت الحياة، وهكذا جرَت على هذه السنن،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت