هي مدينةٌ صغيرة، ربما لا يصل محيطها مائة كيلو متر مربع، في داخل جزيرة كبيرة؛ كانت هذه الجزيرة لا يُستحق لها النظر! ولا تستحق الاعتبار من قِبل كسرويٍ أو رومي؛ ولذلك لم تكن محكومة هذه الجزيرة، من قِبل رجلٍ لا رومي ولا فارسي؛ بل كان العربي في هذه الجزيرة، يعد من أشرف المقامات وأعظم المراتب، هو أن يوفق للوقوف أمام النعمان.
والنعمان إنما هو: وليٌ -أي عبدٌ- من عبيد كسرى!
النعمان حاكم المناذرة، كان وليٌ عبدٌ لكسرى؛ فالعربي في الجزيرة العربية، كان يفتخر أنه دخل قصر النعمان، ووقف على بابه، وسمع كلامه، وأكل من طعامه!
انظروا! هذه الدولة العظيمة! من مدينةٍ صغيرة، في جزيرةٍ -حسب قواعد السياسة في ذلك الزمان- حقيرة، وهي تسمى عندنا الآن ... ، لو ذهبتَ إلى عقلٍ المسلم، وقلت له: المدينة المنورة -على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم-؛ لظن أن المدينة إنما هي من المدن الكبرى العظيمة.
عندما غزت قريش المدينة، استطاع الصحابة في أيامٍ قلائل أن يحفروا حولها خندقًا! فما هي هذه المدينة؟ أين عظمتها؟ أين اتساعها؟ أين امتدادها؟ ولكن هي محط نظر الله -سبحانه وتعالى-.
الآن في هذا الزمان، المسلم يقال له: بوجود عملٍ من أعمال الإسلام؛ فإنه لا ينظر إليه، إلا باعتبار ما استقر في ذهنه من عظمة الكفار! ووصل الأمر إلى قضيةٍ خبيثة؛ وهي قضية النظر إلى شروق الإسلام من الغرب، هكذا يقولون الآن.
الآن مشايخ هذا الزمان، وقادة الحركات في هذا الزمان؛ تفسيراتهم وتعليلاتهم بالاهتمام، في بناء أعمالٍ إسلامية في الغرب، ودعوة المسلمين إلى الاهتمام بالدعاة، وإقامة المراكز، وتكوين المنتديات في الغرب، مع أنها مكلفة؛ لأن المركز الواحد من المراكز، الذي يقام هنا في أوروبا، يعدل مائة مركز من المراكز، التي تقام في أفريقيا وآسيا، وفي بلدٍ من بلاد المسلمين.