فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 312

فقال: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} ، فأكَّد قولَه بالباءِ، يَعْنِي: لا يُمْكِن أنْ أَطْرُدَهُمْ أبدًا؛ لأنني أنا دَعَوْتُهم إلى الإيمانِ فآمَنُوا، فكَانَ حَقّهم عليَّ الإكرام.

وهذا الَّذي قالَه قومُ نوحٍ، وهو أوَّل الرُّسُل، قالَه قومُ محُمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وهو آخِر الرُّسُلِ، فقال الله تَعالَى له: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28] ، وقال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ، فهذا دَأْبُ المُكَذِّبينَ للرُّسُلِ، ما عنْدَهُم شَيْءٌ يَعْتَمِدُونَ عليه سِوَى التَّمْوِيهِ والتضليلِ وزخارِفِ القولِ، الَّتي لا تَنْطِلي إلَّا على العُميانِ.

قال المُفسِّر رَحِمَهُ اللَّهُ: [ {إِنْ} ما {أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} ] . والنَّذيرُ هو المُخْبِرُ بما يخوِّف، يَعْنِي الإعلامَ المَقْرُون بالتَّخْوِيف.

وقوله تعالى: {مُبِينٌ} قال المُفَسِّر رَحمَهُ اللهُ: [بَيِّن الْإِنْذَار] ، فجعلَهُ المُفَسِّر مِن (أبَانَ) اللازِمِ، معَ أنه يَحْتَمِل أنه مِن (أبانَ) المتعدِّي، فتكون بمَعْنى: مُظْهِرٍ، يَعْنِي: إني مُظْهِرٌ لِمَا جِئتُ به، فأنا نَذير مبيّن للناسِ.

فوائدُ الآيَاتِ الكريمة:

الْفَائِدَةُ الْأُولَى: وفي قوله تعالى: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} دليلٌ على أنه يَنْبَغي للإِنْسانِ أنْ يقرّبَ منه كلَّ مؤمنٍ، وأنْ يختارَ لنفسِه أصلحَ الأصحابِ، كما جاء في السنَّة في الحثِّ عليه، فهذا اختيارُ الجَليسِ الصَّالحِ.

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وفيه أيضًا دليلٌ على أنه يَنْبَغي موالاةُ المُؤمِنينَ، والقُرب منهم، وأن هذا دأبُ الأَنْبياءِ؛ لقوله: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت