فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 306

من حيث أنه وقع بفعل الله ولو اهتدت إلى هذا الفرقة الضالة لم يكن بيننا وبينهم خلاف ولكنهم ادعوا استبدادا بالاختراع وانفراد بالخلق والابتداع فضلوا وأضلوا وتبين تميزنا عنهم بتفريغ المذهبين فأنا لما أضفنا فعل العبد إلى تقدير الإله سبحانه قلنا أحدث الله تعالى القدرة في العبد على أقدار أحاط بها علمه وهيأ أسباب الفعل وسلب العبد العلم بالتفاصيل وأراد من العبد أن يفعل فأحدث فيه دواع مستحثة وخيرة وإرادة وعلم أن الأفعال ستقع على قدر معلوم فوقعت بالقدرة التي اخترعها العبد على ما علم وأراد فاختيارهم واتصافهم بالاقتداء والقدرة خلق الله ابتداء ومقدورها مضاف إليه مشيئة وعلما وقضاء وخلقا من حيث أنه نتيجة ما انفرد بخلقه وهو القدرة ولو لم يرد وقوع مقدورها لما أقدره عليه ولما هيأ أسباب وقوعه ومن هدى لهذا استمر له الحق المبين فالعبد فاعل مختار مطالب مأمور منهي وفعله تقدير لله من أدلة خلق مقضي ونحن نضرب في ذلك مثلا شرعيا يستروح إليه الناظر في ذلك فنقول العبد لا يملك آن يتصرف في مال سيده ولو استبد بالتصرف فيه لم ينفذ تصرفه فإذا أذن له في بيع ماله فباعه نفذ والبيع في التحقيق معزو إلى السيد من حيث أن سببه أذنه ولولا إذنه لم ينفذ التصرف ولكن العبد يؤمر بالتصرف وينهى ويوبخ على المخالفة ويعاقب فهذا والله الحق الذي لا غطاء دونه ولا مراء فيه لمن وعاه حق وعيه وأما الفرقة الضالة فإنهم اعتقدوا انفراد العبد بالخلق ثم صاروا إلى أنه إذا عصى فقد انفرد بخلق فعله والرب كاره له فكان العبد على هذا الرأي الفاسد مزاحما لربه في التدبير موقعا ما أراد إيقاعه شاء الرب أو كره

فإن قيل على ماذا تحملون آيات الطبع والختم والأضلال في القرآن وهي متضمنة اضطرار الرب سبحانه للأشقياء إلى ضلالتهم

قلنا إذا أباح الله حل هذا الإشكال والجواب عن هذا السؤال لم يبق على ذوي البصائر بعده غموض فنقول أولا من أنبأ الله سبحانه عن الطبع على قلوبهم كانوا مخاطبين بالأيمان مطالبين بالإسلام والتزام الأحكام مطالبة تكاليف ودعاء مع وصفهم بالتمكن والاقتدار والإيثار كما سبق تقريره ومن اعتقد أنهم كانوا ممنوعين مأمورين مصدودين قهرا مدعوين فالتكليف عنده إذا بمثابة ما لو شد من الرجل يداه ورجلاه رباطا وألقى في البحر ثم قيل له لا تبتل وهذا أمر لا يحمل شرائع الرسل عليه الاعائب بنفسه مجترئ على ربه ولا فرق عند هذا القائل بين أمر التسخير والتكوين في قوله كونوا قردة خاسئين وقوله إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وبين أمر التكليف فإذا بطل ذلك فالوجه في الكلام على هذه الآي وقد غوى في حقائقها أكثر الفرق أن يقول إذا أراد الله بعبد خيرا أكمل عقله وأتم بصيرته ثم صرف عنه العوائق والدوافع وأزاح عنه الموانع ووفق له قرناء الخير وسهل له سبله وقطع عنه الملهيات وأسباب الغفلات وقيض له ما يقربه إلى القربات فيوافيها ثم يعتادها ويمرن عليها وإذا أراد الله بعبده شرا قدر له مما يبعده عن الخير ويقصيه وهيأ له أسباب تماديه في الغي وحبب إليه التشوف إلى الشهوات وعرضه للآفات وكلما غلبت عليه دواعي النفس خنست دواعي الخير ثم يستمر على الشرور على مر الدهور ويأتي مهاويها ويتعاون عليه الوسواس ونزعات الشيطان ونزفات النفس الإمارة بالسوء فتنسخ الغفلة على قلبه غشاوة بقضاء الله وقدره فذلكم الطبع والختم والأكنة وأنا أضرب في ذلك مثلا فأقول لو فرضنا شابا حديث العهد بحلمه لم تهذبه المذاهب ولم تحنكه التجارب وهو على نهاية في غلمته وشهوته وقد استمكن من بلغة من الحطام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت