فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 306

للضروريات بطل قولكم ان جمعا من العقلاء لايتفقون على ذلك والاقوال التي يجحد بها المتكلمون الضروريات أضعاف أضعاف ماذكرناه فهم أجحد الناس لما يعلم بضرورة العقل وكيف يصح في عقل سليم سميع لا سمع له بصير لا بصر له حي لا حياة له أم كيف يصح عند عقل مرئي يرى بلأبصار عيانا لا فوق الرائي ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه أم كيف يصح عند ذي عقل اثبات كلام قديم أزلي لو كان البحر يمده من بعده سبعة أبحر وجميع أشجار الأرض على اختلافها وكبرها وصغرها أقلام يكتب به لنفدت البحار وفنيت الأقلام ولم يفن ذلك الكلام ومع هذا فهو معنى واحد لا جزء له ولا ينقسم وهو والنهي فيه عين الأمر والنفي فيه عين الإثبات والخبر فيه عين الإستخبار والتوراة فيه عين الإنجيل وعين القرآن وذلك كله أمر واحد إنما يختلف بمسمياته ونسبه وقد أطبق على هذا جمع عظيم من العقلاء وكفروا من خالفهم فيه واستحلوا منهم ما حرمه الله وهؤلاء الجهمية يقولون أن للعالم صانعا قائما بذاته ليس في العالم ولا هو خارج العالم ولا فوق العالم ولا تحته ولا خلفه ولا أمامه ولا عن يمينه ولا عن يسرته ولا هو مباين له ولا محايث له فوصفوا واجب الوجود بصفة ممتنع الوجود وكفروا من خالفهم في ذلك واستحلوا دمه وقالوا ما يعلم فساده بصريح العقل ولو ذهبنا نذكر ما جحد فيه أكثر الطوائف الضروريات لطال الكتاب جدا وهؤلاء النصارى قد طبقت شرق الأرض وغربها وهم من أعظم الناس جحدا للضروريات وهؤلاء الفلاسفة هم أهل المعقولات وهم من أكثر الناس جحدا للضروريات فإتفاق طائفة من الطوائف على المقالة لا يدل على مخالفتها لصريح العقل وبالله التوفيق

فصل

قال القدري قال الله سبحانه ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وعند الجبري أن الكل فعل الله وليس من العبد شيء

قال الجبري في الكلام إستفهام مقدر تقديره أفمن نفسك فهو إنكار لا إثبات وقرأها بعضهم فمن نفسك بفتح الميم ورفع نفسك أي من أنت حتى تفعلها وقال ولا بد من تأويل الآية وإلا ناقض قوله في الآية التي قبلها وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولون يقولوا هذه من عندك قل كل من عند اله فأخبر أن الحسنات والسيئات جميعا من عنده لا من عند العبد

قال السني أخطأتما جميعا في فهم الآية أقبح الخطأ ومنشأ غلطكما أن الحسنات والسيئات في الآية المراد بها الطاعات والمعاصي التي هي فعل العبد الإختياري وهذا وهم محض في الآية وإنما المراد بها النعم والمصائب ولفظ الحسنات والسيئات في كتاب الله يراد به هذا تارة وهذ ا تارة فقوله تعالى إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وقوله إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل وقوله وبلوناهم بالحسنات والسيئات وقوله وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور وقوله فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه وقوله ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك المراد في هذا كله النعم والمصائب وأما قوله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن داء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها وقوله إن الحسنات يذهبن السيئات وقوله فأولئك يبدل سيئاتهم حسنات والمراد به في هذا كله الأعمال المأمور بها والمنهي عنها وهو سبحانه إنما قال ما أصابك ولم يقل ما أصبت وما كسبت فما يفعله العبد يقال فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت