ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذ ب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا وقد ذكر الله سبحانه في غير موضع من كتابه أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الحسنة الأولى وأن المعصية قد تكون عقوبة للمعصية الأولى فالأول كقوله تعالى ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما وقال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقال يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم وأما قوله والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم فيحتمل أن لا يكون من هذا وتكون الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة فإنه رتب هذا الجزاء على قتلهم ويحتمل أن يكون منه ويكون قوله سيهديهم ويصلح بالهم إخبارا منه سبحانه عما يفعله بهؤلاء الذين قتلوا في سبيله قبل أن قتلوا وأتى به بصيغة المستقبل إعلاما منه بأنه يجدد له كل وقت نوعا من أنواع الهداية وإصلاح البال شيئا بعد شيء فإن قلت فكيف يكون ذلك المستقبل خبرا عن الذين قتلوا قلت الخبر قوله فلن يضل أعمالهم أي أنه لا يبطلها عليهم ولا يترهم إياها هذا بعد أن قتلوا ثم أخبر سبحانه خبرا مستأنفا عنهم أنه سيهديهم ويصلح بالهم لما علم أنهم سيقتلون في سبيله وأنهم بذلوا أنفسهم له فلهم جزآن جزاء في الدنيا بالهداية على الجهاد وجزاء في الآخرة بدخول الجنة فيرد السامع كل جملة إلى وقتها لظهور المعنى وعدم التباسه وهو في القرآن كثير والله أعلم وقال تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء وقال ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين وقال يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم وقال وإن تطيعوه تهتدوا وقال ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن فضمن التمام معنى الإنعام فعداه بعلى أي أنعاما منا على الذي أحسن وهذا جزاء على الطاعات بالطاعات وأما الجزاء بالمعاصي على المعاصي فكقوله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وقوله ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم وقوله ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون وقوله إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا وقوله وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون وقوله ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين وهو كثير في القرآن وعلى هذا فيكون النوعان من السيئات أعني المصائب والمعايب من نفس الإنسان وكلاهما بقدر الله فشر النفس هو الذي أوجب هذا وهذا وكان النبي صلى الله عليه و سلم يقول في خطبته المعروفة ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا فشر النفس نوعان صفة وعمل والعمل ينشأ عن الصفة والصفة تتأكد وتقوى بالعمل فكل منهما يمد الآخر وسيئات الأعمال نوعان قد فسرهما الحديث أحدهما مساويها وقبائحها فتكون الإضافة فيه من النوع إلى جنسه وهي إضافة بمعنى من أي السيئات من أعمالنا والثاني أنها ما يسوء العامل مما يعود عليه من عقوبة عمله فيكون من إضافة المسبب إلى سببه وتكون الإضافة على معنى اللام وقد يرجح الأول بأنه يكون قد استعاذ من الصفة والعمل الناشئ عنها وذلك يتضمن الاستعاذة من الجزاء السيئ