فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 306

جعل أحدهما عقوبة على الآخر وقد صرح بذلك في قوله فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية فأضاف نقض الميثاق إليهم وتقسية القلوب إليه فالأول سبب منهم والثاني جزاء منه سبحانه قال تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون فأضاف عدم الإيمان أولا إليهم إذ هو السبب وتقليب القلوب وتركهم في طغيانهم هو الجزاء ومثله قوله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والآيات التي سمعتموها آنفا إنما تدل على هذا قال السني هذا حق لكن ليس فيه إخراج السبب عن كونه مقدورا للرب سبحانه واقعا بمشيئته ولو شاء لحال بين العبد وبينه ووفقه لضده فهي البقية التي بقيت عليك من القدر كما أن إنكار إثبات الأسباب واقتضائها لمسبباتها وترتبها عليها هي البقية التي بقيت على الجبري في المسألة أيضا وكلاكما مصيب من وجه مخطئ من وجه ولو تخلص كل منكما من البقية التي بقيت عليه لوجدتما روح الوفاق واصطلحتما على الحق وبالله التوفيق قال القدري فما تقول أنت أيها السني في العقل الأول إذا لم يكون جزاء فما وجهه وأنت ممن يقول بالحكمة والتعليل وتنزه الرب سبحانه عن الظلم الذي هو ظلم لا ما يقوله الجبري أنه الجمع بين النقيضين قال السني لا يلزمني في هذ ا المقام بيان ذلك فإني لم أنتصب له إنما انتصبت لابطال احتجاجك بالآية لمذهبك الباطل وقد وفيت به ولله في ذلك حكم وغايات محمودة لا تبلغها عقول العقلاء ومباحث الاذكياء فالله سبحانه إنما يضع فضله وتوفيقه وإنداده في المحل الذي يصلح له وما لا يصلح له من المحال يدعه غفلا فارغا من الهدى والتوفيق فيجري مع طبعه الذي خلق عليه ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون قال القدري فإذا كان الله سبحانه قد أحدث فيهم تلك الإرادة والمشيئة المستلزمة لوجود الفعل كان ذلك إيجادا منه سبحانه لذلك فيهم كما أوجد الهدى والإيمان في أهله قال السني هذا معترك النزال وتفرق طرق العالم والله سبحانه أعطى العبد مشيئة وقدرة وإرادة تصلح لهذا ولهذا ثم أمد أهل الفضل بأمور وجودية زائدة على ذلك المشترك أوجب له الهداية والإيمان وأمسك ذلك الإمداد عمن علم أنه لا يصلح له ولا يليق به فانصرفت قوى إرادته ومشيئته إلى ضده اختيارا منه وحجة لا كرها واضطرارا قال القدري فهل كان يمكنه إرادة ما لم يعن عليه ولم يوفق له بإمداد زائد على خلق الإرادة قال السني إن أردت بالإمكان أنه يمكنه فعله لو أراده فنعم هو ممكن بهذا الاعتبار مقدور له وإن أردت به أنه ممكن وقوعه بدون مشيئة الرب وإذنه فليس يمكن فإنه ما شاء الله كان ووجب وجوده وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده قال القدري فقد سلمت حينئذ أنه غير ممكن للعبد إذا لم يشأ الله منه أن يفعله فصار غير مقدور للعبد فقد عوقب على ترك ما لا يقدر على فعله قال السني عدم إرادة الله سبحانه للعبد ومشيئته أن يفعل لا يوجب كون الفعل غير مقدور له فإنه سبحانه لا يريد من نفسه أن يعينه عليه مع كونه أقدره عليه ولا يلزم من إقداره عليه وقوعه حتى توجد منه إعانة أخرى فانتفاء تلك الإعانة لا يخرج الفعل عن كونه مقدورا للعبد فإنه قد يكون قادرا على الفعل لكن يتركه كسلا وتهاونا وإيثارا لفعل ضده فلا يصرف الله عنه ترك الواقع ولا يوجب عدم صرفه كونه عاجزا عن الفعل فإن الله سبحانه يعلم أنه قادر عليه بالقدرة التي أقدره بها ويعلم أنه لا يريده مع كونه قادرا عليه فهو سبحانه مريد له ومنه الفعل ولا يريد من نفسه إعانته وتوفيقه وقطع هذه الإعانة والتوفيق لا يخرج الفعل عن كونه مقدورا له وإن جعلته غير مراد وسر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت