فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 306

بما فيه من الضرر فلا بد أن يقوم بقلبه أن منفعته له راجحة ولا بد من رجحان المنفعة عنده أما في الظن وأما في المظنون ولو جزم راكب البحر بأنه يغرق ويذهب ماله لم يركب أبدا بل لا بد من رجحان الانتفاع في ظنه وإن أخطأ في ذلك وكذلك الذنوب والمعاصي فلو جزم السارق بأنه يؤخذ ويقطع لم يقدم على السرقة بل يظن أنه يسلم ويظفر بالمال وكذلك القاتل والشارب والزاني فلو جزم طالب الذنب بأنه يحصل له الضرر الراجح لم يفعله بل أما أن لا يكون جازما بتحريمه أو لا يجزم بعقوبته بل يرجو العفو والمغفرة وأن يتوب ويأتي بحسنات تمحو أثره وقد يغفل عن هذا كله بقوة وإرادة الشهوة واستيلاء سلطانها على قلبه بحيث تغيبه عن مطالعة مضرة الذنب والغفلة من أضداد العلم كالغفلة والشهوة أصل الشر كله قال تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا وينبغي أن يعلم أن الهوى وحده لا يستقل بفساد السيئات إلا مع الجهل وإلا فصاحب الهوى لو جزم بأن ارتكاب هواه يضره ولا بد ضررا راجحا لانصرفت نفسه عن طاعته له بالطبع فإن الله سبحانه جعل في النفس حبا لما ينفعها وبغضا لما يضرها فلا تفعل مع حضور عقلها ما تجزم بأنه يضرها ضررا راجحا ولهذا يوصف تارك ذلك بالعقل والحجى واللب فالبلاء مركب من تزيين الشيطان وجهل النفس فإنه يزين لها السيئات ويريها أنها في صور المنافع واللذات والطيبات ويغفلها عن مطالعتها لمضرتها فتولد من بين هذا التزيين وهذا الإغفال والأنساء لها إرادة وشهوة ثم يمدها بأنواع التزيين فلا يزال يقوى حتى يصير عزما جازما يقترن به الفعل كما زين للأبوين الأكل من الشجرة وأغفلها عن مطالعة مضرة لمعصية فالتزيين هو سبب إيثار الخير والشر كما قال تعالى وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون وقال أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا وقال في تزيين الخير ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وقال في تزيين النوعين كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون وتزيين الخير والهدى بواسطة الملائكة والمؤمنين وتزيين الشر والضلال بواسطة الشياطين من الجن والإنس كما قال تعالى وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم وحقيقة الأمر أن التزيين إنما يغتر به الجاهل لأنه يلبس له الباطل والضار المؤذي صورة الحق والنافع الملائم فأصل البلاء كله من الجهل وعدم العلم ولهذا قال الصحابة كل من عصى الله فهو جاهل وقال تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب وقال وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوأ بجهالة ثم تاب من بعده وأصله فإنه غفور رحيم قال أبو العالية سألت أصحاب محمد عن قوله إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فقالوا كل من عصى الله فهو جاهل ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب وقال قتادة أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل وقال مجاهد من شيخ أو شاب فهو بجهالة وقال من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن خطيئته وقال هو وعطاء الجهالة العمد وقال مجاهد من عمل سوأ خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع منه ذكر هذه الآثار ابن أبي حاتم ثم قال وروى عن قتادة وعمرو بن مرة والثوري نحو ذلك خطأ أو عمدا وروى عن مجاهد والضحاك ليس من جهالته أن لا يعلم حلالا ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت