فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 306

حراما ولكن من جهالته حين دخل فيه وقال عكرمة الدماء كلها جهالة ومما يبين ذلك قوله إنما يخشى الله من عباده العلماء وكل من خشيه فأطاعه بفعل أوامره وترك نواهيه فهو عالم كما قال تعالى أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وقال رجل للشعبي أيها العالم فقال لسنا بعلماء إنما العالم من يخشى الله وقال ابن مسعود وكفى بخشية الله علما وبالإغترار بالله جهلا وقوله إنما يخشى الله من عباده العلماء يقتضي الحصر من الطرفين أن لا يخشاه إلا العلماء ولا يكون عالما إلا من يخشاه فلا يخشاه إلا عالم وما من عالم إلا وهو يخشاه فإذا انتفى العلم انتفت الخشية وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم لكن وقع الغلط في مسمى العلم اللازم لخشية حيث يظن أنه يحصل بدونها وهذا ممتنع فإنه ليس في الطبيعة أن لا يخشى النار والأسد والعدو من هو عالم بها مواجه لها وأنه لا يخشى الموت من ألقى نفسه من شاهق ونحو ذلك فأمنه في هذه المواطن دليل عدم علمه وأحسن أحواله أن يكون معه ظن لا يصل إلى رتبة العلم اليقيني فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بمعصية إبليس فإنها كانت عن علم لا عن جهل وبقوله وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقال وآتينا ثمود الناقة مبصرة وقال عن قوم فرعون وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وقال وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقال موسى لفرعون لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وقال وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وقال والذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم يعني القرآن أو محمدا صلى الله عليه و سلم وقال يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون وقال فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بأيات الله يجحدون والجحود إنكار الحق بعد معرفته وهذا كثير في القرآن قيل حجج الله لا تتناقص بل كلها حق يصدق بعضها بعضا وإذا كان سبحانه قد أثبت الجهالة لمن عمل السوء وقد أقر به وبرسالته وبأنه حرم ذلك وتوعد عليه بالعقاب ومع ذلك يحكم عليه بالجهالة التي لأجلها عمل السوء فكيف بمن أشرك به وكفر باياته وعادى رسله أليس ذلك أجهل الجاهلين وقد سمى تعالى أعداءه جاهلين بعد إقامة الحجة عليهم فقال خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فأمره بالإعراض عنهم بعد أن أقام عليهم الحجة وعلموا أنه صادق وقال وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما فالجاهلون هم الكفار الذين علموا أنه رسول اله فها العلم لا ينافي الحكم على صاحبه بالجهل بل يثبت له العلم وينافي عنه في موضع واحد كما قال تعالى عن السحرة من اليهود ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون فأثبت لهم العلم الذي تقوم به عليهم الحجة ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك الضار وهذا نكتة المسئلة وسر الجواب فما دخل النار إلا عالم ولا دخلها إلا جاهل وهذا العلم لا يجتمع مع الجهل في الرجل الواحد يوضحه أن الهوى والغفلة والإعراض تصد عن كماله واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل وتقيم لصاحبه شبها وتأويلات تعارضه فلا يزال المقتضى يضعف والعارض يعمل عمله حتى كأنه لم يكن ويصير صاحبه بمنزلة الجاهل من كل وجه فلو علم إبليس أن تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ وأنه يوجب له أعظم العقوبة وتيقن ذلك لم يتركه ولكن حال الله بينه وبين هذا العلم ليقضي أمره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت