فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وسمى الحبل سببا لأيصاله إلى المقصود قال تعالى فليمدد بسبب إلى السماء قال بعض أهل اللغة السبب من الحبال القوي الطويل ولا يدعى الحبل سببا حتى يصعد به وينزل ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب يقال ما بيني وبين فلان سبب أي أصرة رحم أو عاطفة مودة وقد سمى تعالى وصل الناس بينهم أسبابا وهي التي يتسببون بها إلى قضاء حوائجهم بعضهم من بعض قال تعالى إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب يعني الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا وقال ابن عباس وأصحابه يعني أسباب المودة الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا وقال ابن زيد هي الأعمال التي كانوا يؤملون أن يصلوا بها إلى ثواب الله وقيل هي الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها وبالجملة فسمى الله سبحانه ذلك اسبابا لأنها كانت يتوصل بها إلى مسبباتها وهذا كله عند نفاة الأسباب وجماز لا حقيقة له وبالله التوفيق
الأصل الخامس أنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئا عبثا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمه هي الغاية المقصودة بالفعل بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل كما فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها فنذكر بعض أنواعها
النوع الأول التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه كقوله حكمة بالغة وقوله وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وقوله ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح وسمي حكمة لأن العلم والعمل قد تعلقا بمتعلقهما وأوصلا إلى غايتيهما وكذلك لا يكون الكلام حكمة حتى يكون موصلا إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة فيكون مرشدا إلى العلم النافع والعمل الصالح فتحصل الغاية المطلوبة فإذا كان المتكلم به لم يقصد مصلحة المخاطبين ولا هداهم ولا إيصالهم إلى سعادتهم ودلالتهم على أسبابها وموانعها ولا كان ذلك هو الغاية المقصودة المطلوبة ولا تكلم لأجلها ولا أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها ولا نصب الثواب والعقاب لأجلها لم يكن حكيما ولا كلامه حكمة فضلا عن أن تكون بالغة
النوع الثاني إخباره أنه فعل كذا لكذا وأنه أمر بكذا لكذا كقوله ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات والأرض وقوله الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وقال جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم وقوله رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقوله إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراد الله وقوله لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله وقوله وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وقوله فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم أي ليتمكنوا بهذا الحفظ والرصد من تبليغ رسالاته فيعلم الله ذلك واقعا وقوله وينزل من السماء ماء ليطهركم به وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام وقوله ويبطل الباطل وقوله وما جعله الله ولتطمئن قلوبكم به وقوله قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وقوله وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب