فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 306

وسمى الحبل سببا لأيصاله إلى المقصود قال تعالى فليمدد بسبب إلى السماء قال بعض أهل اللغة السبب من الحبال القوي الطويل ولا يدعى الحبل سببا حتى يصعد به وينزل ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب يقال ما بيني وبين فلان سبب أي أصرة رحم أو عاطفة مودة وقد سمى تعالى وصل الناس بينهم أسبابا وهي التي يتسببون بها إلى قضاء حوائجهم بعضهم من بعض قال تعالى إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب يعني الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا وقال ابن عباس وأصحابه يعني أسباب المودة الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا وقال ابن زيد هي الأعمال التي كانوا يؤملون أن يصلوا بها إلى ثواب الله وقيل هي الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها وبالجملة فسمى الله سبحانه ذلك اسبابا لأنها كانت يتوصل بها إلى مسبباتها وهذا كله عند نفاة الأسباب وجماز لا حقيقة له وبالله التوفيق

الأصل الخامس أنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئا عبثا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمه هي الغاية المقصودة بالفعل بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل كما فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها فنذكر بعض أنواعها

النوع الأول التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه كقوله حكمة بالغة وقوله وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وقوله ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح وسمي حكمة لأن العلم والعمل قد تعلقا بمتعلقهما وأوصلا إلى غايتيهما وكذلك لا يكون الكلام حكمة حتى يكون موصلا إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة فيكون مرشدا إلى العلم النافع والعمل الصالح فتحصل الغاية المطلوبة فإذا كان المتكلم به لم يقصد مصلحة المخاطبين ولا هداهم ولا إيصالهم إلى سعادتهم ودلالتهم على أسبابها وموانعها ولا كان ذلك هو الغاية المقصودة المطلوبة ولا تكلم لأجلها ولا أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها ولا نصب الثواب والعقاب لأجلها لم يكن حكيما ولا كلامه حكمة فضلا عن أن تكون بالغة

النوع الثاني إخباره أنه فعل كذا لكذا وأنه أمر بكذا لكذا كقوله ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات والأرض وقوله الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وقال جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم وقوله رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقوله إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراد الله وقوله لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله وقوله وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وقوله فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم أي ليتمكنوا بهذا الحفظ والرصد من تبليغ رسالاته فيعلم الله ذلك واقعا وقوله وينزل من السماء ماء ليطهركم به وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام وقوله ويبطل الباطل وقوله وما جعله الله ولتطمئن قلوبكم به وقوله قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وقوله وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت