فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 306

وان الله غفور رحيم وما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامه فإن قيل فإن العذاب صادر عن عزته وحكمته وعدله وهذه أسماء حسنى وصفات كمال فيدوم ما صدر عنها بدوامها قيل لعمر الله أن العذاب صدر عن عزة وحكمة وعدل وانتهاؤه عند حصول المقصود منه يصدر عن عزة وحكمة وعدل فلم يخرج العذاب ولا انقطاعه عن عزته وحكمته وعدله ولكن عند انتهائه يكون عزة مقرونة برحمة وحكمة مقرونة بجود وإحسان وعفو وصفح فالعزة والحكمة لم يزالا ولم ينقص بل صدر جميع ما خلقه ويخلقه وأمر به ويأمر به عن عزته وحكمته

الثاني عشر أن العذاب مقصود لغيره لا لنفسه وأما الرحمة والإحسان والنعيم فمقصود لنفسه فالإحسان والنعيم غاية والعذاب والألم وسيلة فكيف يقاس أحدهما بالآخر

الثالث عشر أنه سبحانه أخبر أن رحمته وسعت كل شيء وأن رحمته سبقت غضبه وأنه كتب على نفسه الرحمة فلا بد آن تسع رحمته هؤلاء المعذبين فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته وهذا ظاهر جدا فإن قيل فقد قال سبحانه عقيبها فسأكتبها للذين يتقون إلى آخر الآية يخرج غيرهم منها لخروجهم من الوصف الذي يستحق به قيل الرحمة المكتوبة لهؤلاء هي غير الرحمة الواسعة لجميع الخلق بل هي رحمة خاصة خصهم بها دون غيرهم وكتبها لهم دون من سواهم وهم أهل الفلاح الذين لا يعذبون بل هم أهل الرحمة والفوز والنعيم وذكر الخاص بعد العام استطرادا وهو كثير في القرآن بل قد يستطرد من الخاص إلى العام كقوله هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن أتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما أتاهما صالحا جعلاله شركاء فيما أتاهما فتعالى الله عما يشركون فهذا استطراد من ذكر الأبوين إلى ذكر الذرية ومن استطراد قوله إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وجعلناها رجوما للشياطين فالتي جعلت رجوما ليست هي التي زينت بها السماء ولكن استطرد من ذكر النوع إلى نوع آخر وأعاد ضمير الثاني على الأول لدخولهما تحت جنس واحد فهكذا قوله ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون فالمكتوب للذين يتقون نوع خاص من الرحمة الواسعة والمقصود ان الرحمة لا بد أن تسع أهل النار ولا بد أن تنتهي حيث ينتهي العلم كما قالت الملائكة ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما

الرابع عشر أنه قد صح عنه صلى الله عليه و سلم حديث الشفاعة قول أولي العزم أن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وهذا صريح في أن ذلك الغضب العظيم لا يدوم ومعلوم أن أهل النار إنما دخلوها بذلك الغضب فلو دام ذلك الغضب لدام عذابهم إذ هو موجب ذلك الغضب فإذا رضي الرب تبارك وتعالى وزال ذلك الغضب زال موجبه وهذا كما أن عقوبات الدنيا العامة وبلاؤها آثار غضبه فإذا استمر غضبه استمر ذلك البلاء فإذا رضي وزال غضبه زال البلاء وخلفته الرحمة

الخامس عشر أن رضاه أحب إليه من غضبه وعفوه أحب إليه من عقوبته ورحمته أحب إليه من عذابه وعطاؤه أحب إليه من منعه وإنما يقع الغضب والعقوبة والمنع بأسباب تناقص موجب تلك الصفات والأسماء وهو سبحانه كما يحب أسماءه وصفاته ويحب آثارها وموجبها كما في الحديث أنه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال نظيف يحب النظافة عفو يحب العفو وهو شكور يحب الشاكرين عليم يحب العالمين جواد يحب أهل الجود حي ستير يحب أهل الحياء والستر صبور يحب الصابرين رحيم يحب الرحماء فهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت