صنعة الأدميين وعملهم فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيآتها ونظير هذا قوله والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم فأخبر سبحانه أن البيوت المصنوعة المستقرة والمتنقلة مجعولة له وهي إنما صارت بيوتا بالصنعة الآدمية ونظيره قوله تعالى وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون فأخبر سبحانه وتعالى أنه خالق الفلك المصنوع للعباد وأبعد من قال أن المراد بمثله هو الإبل فإنه إخراج المماثل حقيقة واعتبار لما هو بعيد عن المماثلة ونظير ذلك قوله تعالى حكاية عن خليله أنه قال لقوه أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون فإن كانت ما مصدرية كما قدره بعضهم فالإستدلال ظاهر وليس بقوى إذ لا تناسب بين إنكاره عليهم عبادة ما ينحتونه بأيديهم وبين إخبارهم بأن الله خالق أعمالهم من عبادة تلك الألهة ونحتها وغير ذلك فالأولى أن تكون ما موصولة أي والله خلقكم وخلق آلهتكم التي عملتموها بأيديكم فهي مخلوقة له لا آلهة شركاء معه فأخبر أنه خلق معمولهم وقد حله عملهم وصنعهم ولا يقال المراد مادته فإن مادته غير معمولة لهم وإنما يصير معمولا بعد عملهم
وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي جعل أئمة الخير يدعون إلى الهدى وأئمة الشر يدعون إلى النار فتلك الإمامة والدعوة بجعله فهي مجعولة له وفعل لهم قال تعالى عن آل فرعون وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار وقال عن أئمة الهدى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا فأخبر أن هذا وهذا بجعله مع كونه كسبا وفعلا للأئمة ونظير ذلك قول الخليل ربنا واجعلنا مسلمين لك فأخبر الخليل أنه سبحانه هو الذي يجعل المسلم مسلما وعند القدرية هو الذي جعل نفسه مسلما لا ان الله مسلم ولا جعله إماما يهدي بأمره ولا جعل الآخر إماما يدعوا إلى النار على الحقيقة بل هم الجاعلون لأنفسهم كذلك حقيقة ونسبة وهذا الجعل إلى الله مجاز بمعنى التسمية أي سمنا مسلمين لك و كلذلك جعلناهم أئمة أي سميناهم كذلك وهم جعلوا أنفسهم أئمة رشد وضلال فمنهم الحقيقة ومنه المجاز والتعبير
ومن ذلك إخباره سبحانه بأنه هو الذي يلهم العبد فجوره وتقواه والإلهام الإلقاء في القلب لا مجرد البيان والتعليم كما قاله طائفة من المفسرين إذ لا يقال لمن بين لغيره شيئا وعلمه إياه أنه قد ألهمه ذلك هذا لا يعرف في اللغة البتة بل الصواب ما قاله ابن زيد قال جعل فيها فجورها وتقواها وعليه حديث عمران بن حصين أن رجلا من مزينة أو جهينة أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم قال بل شيء قضى عليهم ومضى قال ففيم العمل قال من خلقه الله لإحدى المنزلتين استعمله بعمل أهلها وتصديق ذلك في كتاب الله ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها فقراءته هذه الآية عقيب إخباره بتقديم القضاء والقدر السابق يدل على أن المراد بالإلهام استعمالها فيما سبق لها لا مجرد تعريفها فإن التعريف والبيان لا يستلزم وقوع ما سبق به القضاء والقدر ومن فسر الآية من السلف بالتعليم والتعريف فمراده تعريف مستلزم لحصول ذلك لا تعريف مجرد عن الحصول فإنه لا يسمى إلهاما وبالله التوفيق
ومن ذلك قوله تعالى وأسروا قولكم أو أجهروا به إنه عليم بذات الصدور إلا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وذات الصدور كلمة لما يشتمل عليه الصدر من الإعتقادات والإرادات