فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 306

والحب والبغض أي صاحبة الصدور فإنها لما كانت فيها قائمة بها نسبت إليها نسبة الصحبة والملازمة وقد أختلف في إعراب من خلق هو النصب أو الرفع فإن كان مرفوعا فهو إستدلال على علمه بذلك لخلقه له والتقدير ما تضمنته الصدور وكيف لا يعلم الخالق ما خلقه وهذا الإستدلال في غاية الظهور والصحة فإن الخلق يستلزم حياة الخالق وقدرته وعلمه ومشيئته وإن كان منصوبا فالمعنى ألا يعلم مخلوقه وذكر لفظه من تغليبا ليتناول العلم العاقل وصفاته على التقديرين فالآية دالة على خلق ما في الصدور كما هي على علمه سبحانه به وأيضا فإنه سبحانه خلقه لما في الصدور دليلا على علمه بها فقال ألا يعلم من خلق أي كيف يخفى عليه ما في الصدور وهو الذي خلقه فلو كان ذلك غير مخلوق له لبطل الإستدلال به على العلم فخلقه سبحانه للشيء من أعظم الأدلة على علمه به فإذا انتفى الخلق انتفى دليل العلم فلم يبق ما يدل على علمه بما ينطوي عليه الصدر إذا كان غير خالق لذلك وهذا من أعظم الكفر برب العالمين وجحد لما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وعلم بالضرورة أنهم القوة إلى الأمم كما ألقوا إليهم أنه إله واحد لا شريك له

فصل

ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي وقوله فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وقوله تعالى وجعلنا في قولوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية وقوله حكاية عن زكريا أنه قال عن ولده واجعله رب رضيا وقال في الطرف الآخر فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية وقال وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وهذه الأكنة والوقر هي شدة البغض والنفرة والإعراض التي لا يستطيعون معها سمعا ولا عقلا والتحقيق أن هذا ناشيء عن الأكنة والوقر فهو موجب ومقتضاه فمن فسر الأكنة والوقر به فقد فسرهما بموجبهما ومقتضاهما وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبغض من أفعالهم وهي مجعولة لله سبحانه كما أن الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم والله جاعله فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها واراداتها واعتقاداتها فذلك كله مجعول مخلوق له وإن كان العبد فاعلا له بإختياره وارادته فإن قيل هذا كله معارض بقوله تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام والبحيرة والسائبة إنما صارت كذلك بجعل العباد لها فأخبر سبحانه أن ذلك لم يكن بجعله قيل لا تعارض بحمد الله بين نصوص الكتاب بوجه ما والجعل ههنا جعل شرعي أمري لا كوني قدري فإن الجعل في كتاب الله ينقسم إلى هذه النوعين كما ينقسم إليهما الأمر والإذن والقضاء والكتابة والتحريم كما سيأتي بيانه إن شاء الله فنفى سبحانه عن البحيرة والسائبة جعله الديني الشرعي أي لم يشرع ذلك ولا أمر به ولكن الذين كفروا افتروا عليه الكذب وجعلوا ذلك دينا له بلا علم ومن ذلك قوله تعالى ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قوبهم فأخبر سبحانه أن هذه الفتنة الحاصلة بما ألقى الشيطان هي بجعله سبحانه وهذا جعل كوني قدري وممن هذا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه اللهم اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا لك مطواعا لك مخبتا لك أواها منيبا فسأل ربه أن يجعله كذلك وهذه كلها أفعال اختيارية واقعة بإرادة العبد وإختياره وفي هذا الحديث وسدد لساني وشديداللسان جعله ناطقا بالسداد من القول ومثله قوله في الحديث الآخر اللهم اجعلني لك مخلصا ومثله قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت