لا يضبطها مع وجودها ولا يطلبها مع عدمها ولا يفيض من قلبه على لسانه مدح لها يدل على محبتها ولا يفيض من القلب على اللسان ذم يدل على موقعها وخطرها فإن الشيء إذا صغر أعرض القلب عنه مدحا أو ذما وكذلك صاحب هذه الدرجة سالم عن النظر إلى تركها وهو الذي تقدم من ذكر خطر الزهد فيها لأن نظر العبد إلى كونه تاركا لها زاهدا فيها تتشرف نفسه بالترك وذلك من خطرها وقدرها ولو صغرت في القلب لصغر تركها والزهد فيها ولو اهتم القلب بمهم من المهمات المطلوبة التي هي مذاقات أهل القلوب الأرواح لذهل عن النظر إلى نفسه بالزهد والترك فصاحب هذه الدرجة معافى من هذه الأمراض كلها من مرض الضبط والطلب والذم والمدح والترك فهي بأسرها وإن كان بعضها ممدوحا في العلم مقصودا يستحق المتحقق به الثواب والمدح لكنها آثار وأشكال مشعرة بأن صاحبها لم يذق حال الخلو والتجريد الباطن فضلا عن أن يتحقق من الحقائق المتوقعة المتنافس فيها فصاحب هذه الدرجة متوسط بين درجتي الداخل بكليته في الدنيا قد ركن إليها واطمأن إليها واتخذها وطنا وجعلها له سكنا وبين من نفضها بالكلية من قلبه ولسانه وتخلص من قيودها ورعونتها وآثارها وارتقى إلى ما يسر القلب ويحييه ويفرحه ويبهجه من جذبات العزة فهو في البرزخ كالحامل المقرب ينتظر ولادة الروح والقلب صباحا ومساء فإن من لم تولد روحه وقلبه ويخرج من مشيمة نفسه ويتخلص من ظلمات طبعه وهواه وإرادته فهو كالجنين في بطن أمه الذي لم ير الدنيا وما فيها فهكذا هذا الذي بعد في مشيمة النفس والظلمات الثلاث هي ظلمة النفس وظلمة الطبع وظلمة الهوى فلا بد من الولادة مرتين كما قال المسيح للحواريين إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين ولذلك كان النبي أبا للمؤمنين كما في قراءة أبي النبي