تلك الأسباب فداء له من شرور أكثر منها في هذا العالم أيضا فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر يتبين له حكمة اللطيف الخبير
الكامل في ذاته وصفاته إلا الفعل المحكم وهو سبحانه خلق عباده على الفطرة وكل مولود فإنما يولد على الفطرة ويعدلون بهم عنها ولو تركوهم لما اختاروا عليها غيرها ولكن أخرجوهم عن سنن الحنيفية وأفسدوا فطرهم وقلوبهم وهكذا بالأضداد والأغيار يخرج بعض المخلوقات عن سنن الإتقان والحكمة ولولا تلك الأضداد والأغيار لكانت في مرتبتها كالمولو في فطرته ولذلك أمثلته
المثال الأول أن الماء خلقه الله طاهرا مطهرا فلو ترك على حالته التي خلق عليها ولم يخالطه ما يزيل طهارته لم يكن إلا طاهرا ولكن بمخالطة أضداده من الأنجاس والأقذار تغيرت أوصافه وخرج عن الخلقة التي خلق عليها فكانت تلك النجاسات والقاذورات بمعنى أبوي الطفل وكافليه الذين يهودونه وينصرونه ويمجسونه ويشركونه وكما أن الماء إذا فسد بمخالطته الأنجاس والقاذورات لم يصلح للطهارة فكذلك القلوب إذا فسدت فطرها بالأغيار لم تصلح لحظيرة القدس
المثال الثاني الشراب المعتصر من العنب فإنه طيب يصلح للدواء ولإصلاح الغذاء والمنافع التي يصلح لها فلو خلي على حاله لم يكن إلا طاهرا طيبا ولكن أفسد بتهيئته للسكر واتخاذه مسكرا فخرج بذلك عن خلقته التي خلق عليها من الطهارة والطيب فصار أخبث شيء وأنجسه فلو انقلب خلا أو زال تغير الماء كان بمنزلة رجوع الكافر إلى فطرته الأولى فإن الحكم إذا ثبت للعلة زال بزوالها والله أعلم
المثال الثالث الأغذية الطيبة النافعة إذا خالطت باطن الحيوان واستقرت خرجت عن حالتها التي خلقت عليها واكتسبت بهذه المخالطة