فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 617

هذا التقرب تقربا آخر فصار التقرب منك محفوفا بتقربين منه تعالى تقرب قبله وتقرب بعده والحب منك محفوفا بحبين منه حب قبله وحب بعده والذكر منك محفوفا بذكرين ذكر قبله وذكر بعده فلولا سابق ذكره إياك لم يكن من ذلك كله شيء ولا وصل إلى قلبك ذرة مما وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقر إليه فهذه كلها آثار ذكره لك ثم إنه سبحانه ذكرك بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الأنفاس فله عليك في كل طرفة عين ونفس نعم عديدة ذكرك بها قبل وجودك وتعرف بها إليك وتتحبب بها إليك مع غناه التام عنك وعن كل شيء وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده إذ هو الجواد المفضل المحسن لذاته لا لمعاوضة ولا لطلب جزاء منك ولا لحاجة دعته إلى ذلك كيف وهو الغني الحميد فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه فاعلم أنه ذكرك بها فلتعظم عندك لذكره لك بها فإنه ما حقرك من ذكرك بإحسانه وابتدأك بمعروفه وتحبب إليك بنعمته هذا كله مع غناه عنك

فإذا شهد العبد ذكر ربه تعالى له ووصل شاهده إلى قلبه شغله ذلك عما سواه وحصل لقلبه به غنى عال لا يشبهه شيء وهذا كما يحصل للمملوك الذي لا يزال أستاذه وسيده يذكره ولا ينساه فهو يحصل له بشعوره بذكر أستاذه له غنى زائد على إنعام سيده عليه وعطاياه السنية له فهذا هو غنى ذكر الله للعبد وقد قال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم فهذا ذكر ثان بعد ذكر العبد لربه غير الذكر الأول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت