599 -أخبرنا أحمد بن إسماعيل: نا خلف بن محمد: نا أبو عمرو نصر بن زكريا المروزي: نا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت سباع الموصلي يقول: بينا أنا أسير في البادية، إذ مررت بأعراب يسابقون بين إبلهم، وإذا أعرابي قد تنحى عنهم يذكر الله تعالى، فقلت في نفسي: أسأله، فأنظر ما عنده، فسلمت عليه، وكلمته ببعض كلام الناس، فقال: ذكر الله أشفى وأشهى، كيف يتفرغ ابن آدم والموت في أثره، ابن آدم .. .. مصايب وأخطار وهو يلهو قلت: أي مصيبة وأي خطر، قال: مصايب الذنوب، وأخطار الموت وما قبله وما بعده، ثم بكى وبكيت معه.
قلت: مالي أراك وحيدًا؟ قال: ما أنا بوحيد، معي ربي وملائكتي، قلت: تطلب شيئًا، وظننت أنه محتاج، قال: نعم، أطلب طبيبًا يداوي دائي، قلت: ومن طبيبك؟ قال: ربي، قلت: وما داؤك؟ قال: ذنوبي، قلت له: من سبق من هؤلاء؟ قال: من رضي الله عنه، قلت له: أين رحلك؟ قال: رحلي القبر، قلت: أنت مسافر؟ قال: إي والله! مذ ولدتني أمي أنا في #773# سفر الآخرة، قلت: أين زادك؟ قال: زادي قليل، قلت: ما معك من معاش؟ قال: سبحان الله! أنا في رزق ربي، قلت: أما تخاف في وحدتك؟ قال: آها، أخاف وأنا أسير في ملك مولاي؟!
فوثب ليقوم، قلت: أين الطريق؟ قال بأصبعه، فرفع بصره فأشار نحو السماء، ثم قام مسرعًا وهو يقول: سيدي أكثر خلقك منشغلة عنك، وفيك عوض من جميع ما فات، يا صاحب كل غريب، يا مؤنس كل وحيد، يا ذخر كل مقل، يا رجاء كل آيس، يا مأوى كل ضال، يا مأمن كل هارب! أهرب منك إليك، وبفضلك أطلب ما لديك، ما طابت الدنيا والآخرة إلا بك.
وجعل يمر وأنا أتبعه، ثم التفت فقال لي: ارجع -رحمك الله- إلى من هو خير لك مني، ولا تشغلني عمن هو أنفع لي منك، ثم مضى فغاب عن بصري، فرجعت وأنا أبكي، فقلت: جعل الله الخير حيث شاء، وعند من شاء.