603 -أخبرنا أحمد: أنا أحمد: نا عبد الله: نا أحمد بن عبد الرحمن، قال: كان عمي عبد الله بن وهب قرئ عليه كتاب (( الأهوال ) )، (بعد زمان شيبه بسنين) ، فتغيب هاربًا لما ولي القضاء طلبوه، فتغيب، وأظهروا غيبته، فلم يكن يراه أحد من الغرباء، ولزم منزله، فترك الجمعة والجماعة، فطلب إليه سعيد الآدم وإدريس الخولاني أن يسمعوا منه كتاب (( الأهوال ) )، فقال: تشهرونني، وتدلون على موضعي بمجيئكم إلي، قالوا: لا يكون معنا أحد، ولا يعلم بنا أحد إلا أصحابنا، فلم يزالوا يلحون عليه، ويطلبون إليه، حتى قال لهم: فأي يوم؟ قالوا: يوم الجمعة بعد الصلاة، الناس مشتغلون في المسجد، ونختزل إليك، فتمن علينا بقراءته، وتفيدناه، فأجابهما إلى ذلك.
فلما كان يوم الجمعة، وانصرف الناس من المسجد، حضروا، فنزل إليهم من منزله، وأمر بباب داره فأغلق، وأقعد غلامًا على الباب، فقال لا تدخل علينا أحدًا، ثم قرأناه عليه، فلما مر بالأهاويل، وذكر النار، بكى وشهق، وكان مع سعيد الآدم وإدريس الخولاني شيخ يقال له: أبو أسامة البكاء، فبكى بكاء شديدًا، وصرخ، وقام على رجليه، فقال: يا حبيبي يا سيدي! لا صبر لي على ما أسمع، ثم ولى، فقال للغلام: افتح لي الباب، وهو يبكي.
وبقي عمي بعده وهو يبكي، وشهق حتى طار عقله، فاحتملناه إلى منزله لا يتكلم، فبينما نحن يومًا بين يديه متصرعين من السهر، إذ أنبهتني امرأته، وكانت خالة أبي، وكنت أسميها: جدة، لا تحتجب مني، فقالت لي: يا أحمد! أطعمت عمك شيئًا؟ فقلت: لا، قالت: فإنه يمضغ، فقمت فزعًا حتى أشرفت على وجهه، وهو مستلقٍ على ظهره، وإذا هو يلوك ويردد لسانه، فقلت: سيدي! تأكل شيئًا؟ فنظر في وجهي وتبسم، فقالت لي امرأته: قد أخبرتك أنه يأكل، فوضعت أصبعها في شدقيه فجسته، وهو يلوذ برأسه منها، ثم أدخلت أصبعها في فيه فأخرجت منه نواة، كأنها سبحة، ما رأيت نواة قط أحسن منها، فقالت العجوز: يا أحمد! قد عجل الله لعمك شرابه، وأطعمه ثمار الجنة.
ثم أخذت النواة، فربطتها في طرف خمار كان عليها، وعقدت عليه عقدتين، ثم أدخلته في ثني خمارها.
فلما كان بعد ساعة، ذكرناها لرجل دخل علينا، فقال: أحب أن أنظر إلى النواة، فأخرجت العجوز الخمار -والعقد على حالها- فحلت العقدة، ثم الثانية، فنظرت فلم تر شيئًا، فقالت: ذهبت -والله- النواة.
ومات عمي تلك الليلة، فما طعم بعدها شيئًا، ولا شرب.