فمن أتى بأقوال أو أفعال هي بعينها مكفرة، ولا تحتمل وجها آخر غير الكفر، مثل ادعاء شريك مع الله، أو البنوة له، أو دعاء غير الله والاستغاثة به، أو تحكيم شرع غير شرع الله - فهذا يدان بالكفر قبل الاستتابة وتكون الاستتابة لحفظ النفس وعصمتها بالإسلام بعد رجوعه إليه، وليس بغرض استيفاء الشروط وانتفاء الموانع لثبوت البينة والحجة الشرعية بالكفر.
يقول شيخ الإسلام: (ويجوز في الردة الإدانة بالكفر قبل الاستتابة، وتكون الاستتابة لحفظ النفس وعصمتها بالإسلام بعد فيئها إليه وليس بغرض استيفاء الشروط وانتفاء الموانع - لثبوت البينة والحجة الشرعية بالكفر ثم يستتاب مع ذلك)
الاستتابة للمرتد تكون من الكفر الذي وقع فيه فهو يسمى مرتدا كافرًا قبل الاستتابة، وإنما هي فقط للتمهل في إجراء العقوبة (أي القتل) وإعطاء فرصه للمرتد للرجوع إلى دين الله، ولذلك قال العلماء في استتابة المرتد ..
(فهو كافر يستتاب فإن تاب و إلا قتل) و قولهم: (و تجب استتابة المرتد قبل القتل) ووضحوا علة الاستتابة بقولهم (قبل القتل) و منه قول صاحب العمدة (أما من كان ناشئا بين المسلمين فهو كافر يستتاب فإن تاب و إلا قتل [1] .
ووجوب الاستتابة موضع خلاف بين الفقهاء، فهى مستحبه عند مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد ورواية عن أبي يوسف وأبي حنيفة، وواجبة في أظهر الروايتين عند الإمام أحمد كما ذكر ذلك صاحب المغنى.
فلو كانت الاستتابة من أجل إقامة الحجة قبل إطلاق حكم الكفر، لكانت واجبة عند الجميع ـ إلا أن مناط الخلاف بين الفقهاء في (هل يقتل المرتد قبل أن يستتاب؟) ، فمن أوجب الاستتابة منع قتله قبلها، ومن لم يوجبها لم يمنع قتله قبلها مع استحبابه الاستتابة، و مع اتفاق الجميع على تسميته مرتدا كافرا قبل الاستتابة.
(1) العده في شرح العمده 2/ 37