فصاروا قطاعَ طريق ومحاربين لله ورسوله، وفيهم من كان يؤذي بلسانه أذىً صار به من جِنس المحاربين، فلذلك لم يستتابوا على أن الممتنع لا يستتاب، وإنما يستتاب المقدور عليه، ولعل بعض هؤلاء قد استتيب قبل ذلك)
-فمن أتى بأقوال أو أفعال هي بعينها مكفرة، ولا تحتمل وجها آخر غير الكفر، وليس لها توبة فهى إذن لردة المغلظة ومن أمثلتها الطعن في الدين، أو الزندقة، أو سب الرسول صلى الله عليه و سلم ـ أو القرآن، والدعوة إلى الكفر والإلحاد ـ فصاحبها (يقتل ولا يستتاب) بإجماع أهل العلم، ويظهر هذا واضحًا جليًا في سيرة الرسول صلى الله عليه و سلم وصحابته الكرام.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم: فإن الردَّة على قسمين: ردةٌ مجرَّدةٌ، وردةٌ مغلَّظةٌ شرع القتل على خصوصها بدون استتابة، وكلاهما قد قام الدليلُ على وجوبِ قتل صاحبها، والأدلة الدالة على سقوط القتل بالتوبة لا تعمُّ القسمين، بل إنما تدلُّ على القسم الأول، كما يظهر ذلك لمن تأمل الأدلة على قبول توبة المرتد، فيبقى القسم الثاني، وقد قام الدليل على وجوب قتل صاحبه، ولم يأت نصٌّ ولا إجماعٌ بسقوط القتل عنه، والقياسُ متعذرٌ مع وجود الفرق الجلي، فانقطع الإلحاقُ. أهـ
جاء في الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضى عياض: (و قال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه و سلم يقتل، و ممن قال ذلك مالك بن أنس، و الليث، و أحمد، و إسحاق، و هو مذهب الشافعي.
قال القاضي أبو الفضل: و هو مقتضى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، و لا تقبل توبته عند هؤلاء المذكورين: و بمثله قال أبو حنيفة، و أصحابه، و الثوري و أهل الكوفة، و الأوزاعي في المسلم، لكنهم قالوا: (هي ردة) , وقال سحنون فيمن سبه: (ذلك ردة كالزندقة) .
و قال أبو سليمان الخطابي: لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا.
وقال ابن القاسم ـ عن مالك في كتاب ابن سحنون، و المبسوط، و العتبية، و حكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب: من سب النبي صلى الله عليه و سلم من المسلمين قتل، و لم يستتب.
قال ابن القاسم في العتبية: من سبه أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل، و حكمه عند الأمة القتل كالزنديق.