الصفحة 27 من 53

ومِن عجائب القوم التي تكشف لك هشاشة الأفهام واستحسانها الباطل بمجرد الأوهام، كما أنها تُظهر مدى تأثير الأسماء في ترويج الباطل وتسويقه وعدم الشعور بشناعته بل ربما تقود إلى استملاحه والدعوة إليه: أنك لو افترضت لهم دولةً من (الدول الإسلامية) القائمة اليوم قد ارتضت صراحةً بأن يكون قانونها (دستورها) هو التوراة أو الإنجيل أوالزبور لمَادت الأرض بمن فيها استنكارًا واستعظامًا واستعاذةً من شر هذا الكفر الأكبر المستبين!، ولأطبق الناس أجمعون أكتعون أبتعون عالمهم وجاهلهم خواصُّهم وعوامهم على كفر الداعي لذلك والراضي به والمدافع عنه من غير ترددٍ، هذا مع أن التوراة والإنجيل في أصلها كتبٌ منزلةٌ من عند الله على رسولين من أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام وإنما حرَّفها المحرِّفون (بمجرد نظرهم وأهوائهم) ليشتروا به ثمنًا قليلًا، ولا يزال فيها شيءٌ مما أقره القرآن أو صدَّقه، هذا في الوقت الذي تجد فيه كثيرًا من الدعاة المرموقين وحركات إسلامية تنادي بتحكيم الدساتير الوضعية أو التحاكم إليها عند الخصام والتي لا يشك شاكٌّ أن قوانينها وبنودها قد وُضعت تبعًا للأهواء وتلبية للشهوات، ومِن إناسٍ لا علم لهم لا بدينٍ ولا شريعةٍ ولا حلالٍ ولا حرامٍ فهم لم يستحقوا حتى صفة الأحبار والرهبان بل تجدهم أجهل الجهلاء وأسفه السفهاء، وما يتشدقون به من المعارف والعلوم فإنه لا يغني من الحق شيئًا: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم/7] .

فقطعًا لا تمت تلك الدساتير إلى الشرع والدين بصلةٍ، وما مزجت به من بعض أحكام الملة الإسلامية فهو على طريقة الياسق التي سبقهم إليها عبقري الياسقات ومبتكرها جنكيزخان!، فهم وإن كانوا في القرن الحادي والعشرين إلا أنهم لم يأتوا بجديدٍ سوى تطور المزج والخلط تبعًا لتشعّب الأهواء وسُعار الشهوات، وقد أشار الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله إلى هذا المعنى فيما نقلته أعلاه بقوله: (وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه) أهـ. ونحن نقول فكيف بمن تحاكم إلى الدساتير الوضعية وقدّمها على شريعة الرحمن؟!

والمجاهدون حينما يتكلمون عن كفر هذه الدول المحللة للحرام المجمع عليه والمحرمة للحلال المجمع عليه ليسوا هم أولَ من يطرق هذه المسألة كما أنهم لم يختصوا بالحديث عنها فما زالت كتب العلماء المعاصرين شاهدةً ناطقةً بما يسيرون عليه، إلا أن البعض لمَّا طال عليهم الأمد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت