الصفحة 41 من 53

الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب؛ إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة] اهـ.

وقال العلامة أبو بكر الجصاص الحنفي -رحمه الله-: [ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو، ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم] (أحكام القرآن: 4/ 312) .

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم وبين طلبه في بلاده] (الفتاوى الكبرى: 5/ 537) .

وقال أيضًا بعد أن ذكر الخلاف في مسألة وجوب الجهاد بالمال لمن عجز عن الجهاد بالنفس وكان موسرًا: [وينبغي أن يكون محل الروايتين في واجب الكفاية: فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعًا] اهـ.

وهذا الحكم المجمع عليه والذي أوضحه العلماء غاية الإيضاح، دخل في هذا العصر دائرة التشكيك والتفكيك والأخذ والرد والاعتراض والنقض، فلم يسلم هو أيضًا من معاول التغيير وعوامل التحوير ولا حول ولا قوة إلا بالله، مع أن هجوم الكفار على ديار المسلمين واحتلالهم لها واضح وضوح الشمس بعد أن أجلبوا عليها بجيوشهم الجرارة وحشودهم الضخمة وفرضوا عليها أحكامهم وحكوماتهم وساموا سكانها من المسلمين سوء العذاب، وظهر في تلك البلدان من أنواع الفساد والإلحاد والفسوق والمروق في سنوات معدودات ما يشيب لهوله الولدان، فليس غريبا إذًًا أن يقول شيخ الإسلام إن دفع أمثال هؤلاء ليس شيء أوجب بعد الإيمان منه؛ لأن بقاءهم مستقرين متمكنين يعني مع طول الزمن وتقادم الإيام رفع الإيمان عن تلك الأرض أو أن يبقى مسخ من الناس لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرًا، ولهذا أدرك العلماء الأجلاء خطورة هذه المسألة فعظموها وفخموها وهولوا شأنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت