وعدوها أم المصائب ونائبة النوائب حتى يستعشر المسلمون خطرها ولا يتهاونون في أمرها فانظر مثلا ما يقوله إمام الحرمين الجويني -رحمه الله- عن مثل هذه الحالات: [فمن استمسك بالحق ولم يمل به مهوى الهوى عن الصدق تبين على البدار والسبق أن خزائن العالمين وذخائر الأمم الماضين وكنوز المنقرضين لو قوبلت بوطأة من الكفار لأطراف ديار الإسلام لكانت مستحقرة متسنزرة، فكيف لو تملكوا البلاد، وقتلوا العباد، وقرعوا الحصون والأسداد، وخرقوا عن ذوات الخدور حجب الرشاد، ومال إليهم من لا خلاق له من حثالة الناس بالارتداد، وتخلل الحرائر العلوج، وهتك حجابهن التبذل والبروج، وهدمت المساجد، ورفعت الشعائر والمشاهد، وانقطعت الجماعات والأذان، وشهرت النواقيس والصلبان، وتفاقمت دواعي الاختزاء والافتضاح، وصارت خطة الإسلام بحرا طافحا بالكفر الصراح] (غياث الأمم:254)
ومعلومٌ أنه لا فرق في هذا الحكم بين أن يكون العدو قادمًا على بلاد المسلمين من خارجها، وبين أن يكون متسلطًا عليها وهو من أهلها وسكّانها، وهو ما اصطلح المعاصرون على تسميته (بالعدو الخارجي والعدو الداخلي) ، فإن الضرر المحدق بالإسلام والمسلمين من جراء تسلط الكفرة وتغلبهم لا يختلف في أصله بين الحالتين وإنما يتفاوت بقدر عتو الكفرة وطغيانهم ومكرهم وكيدهم وشدة ضغينتهم وعظم صيالهم، ولهذا قال شيخ الإسلام (فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه) ، فعلق الأمر على صيال العدو وإفساده للدين والدنيا، وهي صفةٌ كاشفةٌ لا مقيِّدة فما من عدوٍ صائلٍ إلا وهو مفسدٌ للدين والدنيا مهلكٌ للحرث والنسل، فلا يختص أصل وجود هذا الوصف بعدوٍ خارجي كالأمريكان، أو اليهود، أو غيرهم.
بل من يتأمل مجريات التاريخ الإسلامي وما احتواه من مصائب وأهوال والتي اجتاح فيها الكفار بلاد المسلمين وابتلعها كاللقمة السائغة يجد في الغالب أن اعتمادهم في مداهمة بلدان المسلمين واستباحتهم لحرماتهم إنما يتم عبر الخونة المنسلخين من الدين والقيم والرحمة ممن يقيم بين ظهراني المسلمين وينتسب إليهم ويضمر الضغينة والحقد عليهم حتى إذا سنحت له فرصةُ بثِّها قتل ونكل وشرد وتمرد وطغى وعتى ورأى المسلمون على يديه من الخيانات والإجرام والتنكيل والانسلاخ من الرحمة ما لم يخطر على بالهم، فهم وإن كاشروا المسلمين