الصفحة 45 من 53

فلا تزيده إلا عطشًا حتى ترديَه، قال تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة/39] .

ثم إن الكثيرين ممن يتحدثون عن الاقتصار على قتال العدو الخارجي، ولم يكتب لهم شرف ممارسة الجهاد في ساحاته، ومعاينة ومعاناة همومه وجراحاته، ويتعاملون معه بنظرة إجمالية عمومية عن بعدٍ دون الدخول إلى تفاصيل أعماله- يحسبون أن الانتصار على تلك القوة الخارجية المداهمة ودحرها إنما يقع بضربة لازبٍ، ويغريهم في ذلك مجرد تعاطف الناس الكبير عند أول شرارة الاحتلال حتى إذا طال عليهم الأمد واسترسل الاحتلال وامتد، وتمكّنت دولته، وتضعضت مسيرة الجهاد بين الانتصار والانكسار، والارتفاع والانخفاض وخالجتها المؤامرات والدسائس وإطلال رؤوس النفاق، رأيت وميض الحماسة بدأ يخفت، وهيجان التأييد يضعف فيكون المرء متعاملا مع قضايا المسلمين لا من منطلق الفهم الشرعي الراسخ والقيام بواجباته المضبوطة وإنما بالحماسة والعاطفة ومثل هذا التعامل يُستفاد منه شيء ما ولكن لا يمكن الاعتماد عليه ولا الوثوق به في إدارة عجلة الجهاد ولا في تقييم أوضاعه ومعرفة مآلاته؛ لأن أمر العواطف لا يُضبط ولو وكل أمر الشرع إليها لما قامت له قائمة ولا بقيت معه باقية، فالمطلوب من المرء المسلم أن يكون فعَّالًا لا منفعلًا فحسب، ومؤثِّرًا لا متأثرًا فقط، والشواهد على هذا الأمر من واقع ساحات الجهاد المعاصرة كثيرة، كالحالة في فلسطين أو الشيشان أو المرحلة الأخيرة من العراق وهكذا، ولهذا فقد تجد بعض مَن كانوا متحمسين للجهاد ومنفعلين مع قضية من قضاياه في مرحلة من المراحل غاية الانفعال قد يصلون في مسألة (قتال العدو الخارجي) إلى نفس ما استقر في نفوسهم وترسخ في صدورهم من عدم جدوى قتال (العدو الداخلي) لأنه يرى أن الأبواب موصدة، وأن ملامح النصر لا يظهر لها بصيص أمل، وأن جهود سنوات من القتال المحتدم والتضحيات الكبيرة لم تُجنَ ثمارها بعد، وأن المرحلة الذهبية من التفاعل الشعبي والتوجه الإعلامي المركز قد أعقبها فتورٌ وخمولٌ فيرجع القهقرى ليبحث بعدها عن بدائل (سلمية) لإخراج المحتل كما تحصَّل على وسائل (سلمية) وشرعية أيضًا! في معارضة أنظمة الحكم وبهذا يوصد باب الجهاد العملي كلية أو يحجّم ويقلص إلى أقصى حدٍّ لينحصر فقط في جهاد اليهود في فلسطين مع وضع عراقيل وإحاطته بمفاهيم لا يمكن معها تطبيقها إلى يوم التناد، وقد قال تعالى في آياتٍ بيناتٍ باقياتٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت