فوقعت في شبكته سمكةٌ كبيرةٌ؛ ففرح بها، وأخذها ومضى إلى السوق؛ ليبيعها، ويصرف ثمنها في مصالح عياله، فلقيه بعض العوانية، فرأى السمكة معه، فأخذها، فمنعه الصياد، فضربه بخشبةٍ كانت في يده ضربةً موجعةً على رأسه، وأخذ السمكة منه غصبًا بغير عوضٍ، فدعا الصياد عليه، فقال: إلهي! خلقتني ضعيفًا، وخلقته قويًا عنيفًا، فخذ حقي منه عاجلاٌ، فقد ظلمني، ولا صبر لي إلى الآخرة، ثم إن ذلك انطلق بالسمكة إلى منزله، وسلمها إلى زوجته، وأمرها أن تشويها، فلما شوتها ووضعتها بين يديه على المائدة ليأكل منها، فتحت فاها ونكزت أصبعه نكزةً أطارت بها قراره، فقام وشكا إلى الطبيب ألم يده، وما حل به، فقال: دواها أن يقطع الأصبع؛ لئلا تسري إلى الكف، فقطعها وانتقل إلى اليد، فقال له الطبيب: ينبغي أن تقطع اليد فقطعها، فانتقل إلى الساعد، فخرج هائمًا على وجهه، مستغيثًا إلى ربه، فرأى شجرةً فقصدها، فأخذه النوم، فنام تحتها، فرأى في منامه قائلًا يقول له: يا مسكين! إلى كم تقطع أعضاءك! امض إلى خصمك الذي ظلمته فأرضه، فانتبه من النوم، فقال: خصمي الصياد، فدخل المدينة وطلبه، واستحل منه وأرضاه، وتاب توبةً نصوحًا، وبات تلك الليلة، ففي اليوم الثاني، تداركه الله بلطفه ورحمته، فرد يده كما كانت، ونزل الوحي على موسى: يا موسى! لولا أن ذلك رضي عن خصمه؛ لعذبته ما امتدت به حياته.
ولابن نباتة -رحمه الله تعالى-:
ألا رب ذي ظلمٍ كمنت لظلمه ... فأوقعه المقدار أي وقوع